ثم العلو الذاتي الخاص هذا الذي جاء فيه النص التخصيص {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ} العرش هذا من المخلوقات ولا شك، علاه الباري جل وعلا، هذا يسمى ماذا؟ علوًّا ذاتيًّا خاصًا، ثم يستلزم ذلك أنه عالٍ فوق جميع المخلوقات، هذا يسمى علوًّا ذاتيًّا عامًا، إذًا العلو الذاتي نوعان، قال هنا: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . أثبت العلو الذاتي الخاص يستلزم إثبات الأعم أو لا؟ إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم من غير عكس، يعني لو أثبت العلو الذاتي العام فوق سبع سماوات ولم يرد أنه علا على عرشه، هل يجوز إثبات علوه على العرش؟ لا، لأنه خاص يحتاج إلى دليل {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ} [طه: 5 - 7] يعني مع استوائه على عرشه {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} ، جمع بينهما في آية واحدة استفتح الآية أو ما سبق الآية السابقة هذه بعدة آيات {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ثم أتبعه بقوله: {فَإِنَّهُ} . أي الباري متصف باستوائه على عرشه فوق سبع سماوات {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} ، {وَأَخْفَى} أي من السر وهو خواطر النفس أو حديث النفس، فجمع تعالى بين استوائه على عرشه وبين علمه السر وأخفى، وكذلك جمع عز وجل بينهما في قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] قال الظاهر. قلنا: الظهور بمعنى العلو، والعلو بمعنى الظهور، فأثبت العلو الذاتي هنا بقوله: الظاهر، قال: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . إذًا لا تنافي بينهما، وهو الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، والظاهر فليس فوقه شيء، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، والباطن فليس دونه شيء، هكذا فسره رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة عند مسلم ومر معنا، وكذلك جمع بينهما تعالى في الآية التي تليها فقال عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ} ، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ} حال كونه الجملة حالية {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4] ، وظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده، وبصره بأعمالهم مع علوه عليهم واستوائه على عرشه، لا أنه مختلط بهم، لا، الآية لا تدل على ذلك، ولا يفهم مسلم البتة، ولا أنه معهم في الأرض هذه عقيدة كفرية، وإلا لكان آخر الآية مناقضًا لأولها، الدال على علوه واستوائه على عرشه، هذه الآيات الاثنتان دالة على الجمع بين الأمرين، وغير ذلك من الآيات والأحاديث وهو إجماع المؤمنين، إجماع المؤمنين بأن الله تعالى متصف بصفة المعية، (مُهَيْمنٌ عَلَيْهِمُو) هذا قال:
وَمَعَ ذَا مُطَّلِعٌ إلَيْهِمُو ... بعلْمِهِ مُهَيْمنٌ عَلَيْهِمُو