الصفحة 186 من 439

ثم نقول: إن لفظ مَعَ في لغة العرب للصحبة اللائقة، يعني بمطلق الصحبة تدل على الصحبة، لا تُشْعِرُ بامتزاج ولا اختلاط ولا مجاورة ولا مجانبة. يعني تدل على مطلق المصاحبة لا يُفهم، يعني إذا قلت: زيد معي. لا يلزم أنه بجواري، لا يلزم أن أكون مختلطًا به، فلفظ مع لا يدل إلا على مطلق المصاحبة، ثم لا يُشْعِرُ اللفظ لا بامتزاجٍٍ ولا اختلاطٍ ولا مجاورةٍ ولا مجانبةٍ، فهي في اللغة العربية لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان، وإنما تدل على مطلق المصاحبةٍ، ثم تُفسر في كل موضع بحسبه، كقوله سبحانه: ... {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] . وتقول: زوجتي معي. أنت الآن متزوج وزوجتي معي، يعني: معي بجواري أو هي في جيبك؟ لا، وإنما المراد ماذا؟ أنها في عصمتي، إذًا ليس معي هنا زوجتي معي لم يقتضِ اختلاطًا ولا امتزاجًا ولا مصاحبةً في المكان، هي تكون في بلد وأنت في بلد زوجتي معي، يعني في عصمتي، وهذه المعية بالمعنى المذكور لا تنافي علو الله تعالى على عرشه، فإن قُرْبَهُ ومعيته ليست كقرب الأجسام بل بعضها من بعض، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] كما قال مالك فيما سبق: الاستواء معلوم والكيف مجهول. كذلك المعية معلومة والكيف مجهول، وأيضًا يقال حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو، فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا. نسير والقمر معنا، معية أو لا؟ معية، مصاحبة؟ مصاحبة، نعم مصاحبة، لكن هل هذه مصاحبة تقتضي أن ينزل القمر إلى الأرض؟ لا، هل تقتضي المشاركة في المكان؟ لا، هل تقتضي الممازجة؟ لا، وإنما نقول: كل مصاحبة أو مصاحبة كل شيء بحسبه، ما زلنا نسير والقمر معنا، هكذا قال ابن تيمية، ولا يعد ذلك تناقضًا، ولا يفهم منه أحد أن القمر نزل في الأرض، فإذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق القمر مع الإنسان، ففي حق الخالق المحيط بكل شيء مع علوه سبحانه من باب أولى، وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.

والمعية العامة هذه صفة ذاتية، يعني يأتي الآن التفريق بينهما، لم يأت معنا الصفات نوعان: صفة ذاتية، وصفة فعلية. الصفة التي لا يزال الباري جل وعلا متصفًا بها لا ينفك عنها حال دون حال، يعني في زمن دون زمن هذه تُسَمَّى ماذا؟ تسمَّى ذاتيّة، وما تعلق بالمشيئة أو بسبب فهو صفة فعلية، حينئذٍ المعية نوعان:

معية عامة، ومعية خاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت