فالعامة: هي معية العلم والإحاطة، الله معنا بعلمه وإحاطته، هذه يُسمى ماذا؟ تسمى معيةً عامة، إذا فُسِّرَت المعية بالعلم والإحاطة فهي عامة كقوله سبحانه: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] . {وَهُوَ مَعَكُمْ} كل البشر، {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} في كل مكان هذا فيه عموم {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} ، {أَيْنَ} مكانية في أي مكان كنتم فالله معكم، معكم بماذا؟ بذاته؟ لا، وإنما المراد بعلمه هكذا فسرها السلف، وهذه المعية تشمل المؤمن والكافر والبر والفاجر، يعني عامة، ولذلك سميت عامة، يعني لا تختص بالمؤمن دون الكافر، لا تختص بالمطيع دون غيره، فالله معنا بعلمه ونحن المسلمين كما هو مع الكافرين بعلمه، فيعلم ما هم فاعلون عامة.
والثانية هي المعية الخاصة، إذًا عندنا عموم وخصوص، والخاصة: هذه ما يسميها بعض أهل السنة والجماعة بمعية القرب، يعني الألفاظ التي جاءت {فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] هذه تفسر بماذا؟ بالمعية الخاصة.
وهذه قسمان المعية الخاصة قسمان:
-معية مقيدة بشخصٍ.
-ومعية مقيدة بوصف.
إما بشخص وإما بوصف.
فالخاصة المقيدة بوصف كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] . يعني مع المتقين ومع المحسنين، مع المتقين لتقواهم، ومع المحسنين لإحسانهم. إذًا لم يعين شخصًا، بل ذكر ماذا؟ ذكر وصفًا، والوصف هذا يدخل تحته زيد وعمرو .. إلى آخره.
والخاصة المقيدة بشخص كقوله تعالى لموسى وهارون هنا تخصيص لشخصين بأعيانهم: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] . يعني مع موسى وهارون هذه معية خاصة مقيدة بشخص، وقوله في قصة نبينا - صلى الله عليه وسلم - مع الصديق رضي الله عنه: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] . إذًا هذه مقيدة بشخص، لو أردنا الترتيب المعية المقيدة بشخص أقرب، ثم أوسع منها المقيدة بوصف، ثم أوسع التي المعية العامة.
الفرق بين المعية العامة والخاصة أنها إذا جاءت المعية في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف فهي عامة تهديد فهي عامة، وإذا أتت في سياق مدح أو ثناءٍ فهي معية خاصة، وكلا المعيَّتَيْنِ منه سبحانه مصاحبةٌ للعبد، المصاحبة موجودة لأن لفظ مع في لسان العرب يدل على مطلق المصاحبة، فالمصاحبة ثابتة في المعية العامة وثابتة في المعية الخاصة، لكن هذه، أي المعية العامة مصاحبة إطلاع وإحاطة، مُطَّلِعٌ عليه كما قال الناظم هنا: (وَمَعَ ذَا مُطَّلِعٌ إلَيْهِمُ) . وإحاطة، والخاصة مصاحبة موالاةٍ ونصر وحفظ وتأييد، فالمعية العامة تقتضي ماذا؟ تقتضي العلم والإحاطة، والمعية الخاصة تقتضي ماذا؟ النصر والتأييد والحفظ والكلأ ونحو ذلك.