وعرشه فوق سماواته، فقلت: إنه يقول أقول: {عَلَى الْعَرْشِ} ولكن قال: لا يدري العرش في السماء أو في الأرض. قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. هذا أو ذاك كلاهما، عقيدة الكفرية.
وروى المقدسي عنه رحمه الله تعالى أنه قال: من أنكر أن الله عز وجل في السماء فقد كفر. وروى الحاكم عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: كنا والتابعون متوافرون - إجماع هذا حكاية إجماع - كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله عز وجل فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.
وعن الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى قال: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء. سيأتي المعية.
وقال قتيبة بن سعيد: قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة - يعني هذا حكاية إجماع - نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه كما قال جل جلاله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . إذًا لا خلاف بين المسلمين في إثبات العلو الذاتي، ومن أنكره خرج عن الملة هذا الأصل فيه.
وقال إسحاق بن راهويه: قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة جل وعلا.
وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة - وهذه القاعدة هي الصحيحة التي أصلها وإن خالفه بعض المتأخرين لكن ما قال ابن خزيمة هو الحق في هذه المسألة: من لم يُقِرَّ بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سماواته، بائن من خلقه فهو كافر يُستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة لئلا يتأذى برائحته أهل القبلة وأهل الذمة. يعني صان أهل الذمة عن رائحة هذا النجس، وهو كذلك، الصحيح أن من أنكر الاستواء فهو كافر مرتد عن الإسلام يُستتاب وإلا ضربت عنقه «من بدل دينه فاقتلوه» . من أنكر العلو الذاتي كذلك يُستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ولنا سلف في إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى.
وَمَعَ ذَا مُطَّلِعٌ إلَيْهِمُو ... بعلْمِهِ مُهَيْمنٌ عَلَيْهِمُو
وَذِكرُهُ لِلقُرْبِ وَالْمَعِيَّةْ ... لَمْ يَنْفِ لِلْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيةْ
فَإِنَّهُ الْعليُّ في دُنُوِّهِ ... وَهُوَ الْقَريِبُ جَلَّ في عُلُوِّهِ
أشار إلى مسألتين عظيمتين من هذه الأبيات الثلاث.
الأولى: إثبات صفة المعية.
الثانية: أنه لا تنافي بين إثبات العلو الذاتي وصفة المعية.
كونه يعلم كل شيء في الأرض لا يلزم منه أن لا يكون عاليًا على خلقه بذاته، لا تنافي بين الأمرين، المعية هذه معية كالكيفية والفوقية، يعني مصدر صناعي، الياء هذه ياء النسبة، والتاء هذه للتأنيث، فحينئذٍ نقول: هذا مصدر صناعي، المعية تنقسم إلى قسمين: معية عامة، ومعية خاصة. هذا عند أهل السنة والجماعة قاطبة، المعية نوعان: معية عامة، ومعية خاصة. ونحن قلنا كما سبق: لا نذكر في دروس المعتقد ما عليه أهل البدع، وإنما ما لا بد منه من أجل أن يفهم ما نقرره، معية عامة ومعية خاصة.