ومن ذلك التصريح باختصاص بعض الأشياء بأنها عنده، قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] وهذا عنده، العندية تفيد ماذا؟ أنه موصوف بصفة العلو الذاتي وإلا لا يقال لو كان في كل مكان أين عنده؟ أين يكون وضع عنده؟ ليس لها معنى، ومن ذلك الرفع والصعود والعروج إليه وهو أنواع منها رفعه عيسى عليه السلام قال الله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157، 158] . الرفع يدل على ماذا؟ من أسفل إلى فوق، فدل {رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} إذًا عنده، وهذا واضح بَيِّن. قال هنا: {بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} . ومنها صعود الأعمال إليه كما قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] . يصعد يرفع كل هذا يدل على ماذا؟ علو الذات، ومنها صعود الأرواح إلى الله عز وجل، يعني أرواح المؤمنين، قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] . ومنها عروج الملائكة والروح إليه قال الله تبارك وتعالى: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 3، 4] . ومن ذلك تصريحه بنزوله تبارك وتعالى كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» . وعن أبي مطيع بن الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة. إذًا هذه النصوص كلها تدل على أن العلو الذاتي ثابت للباري جل وعلا. وابن القيم يقول: عليه ألف دليل، نحن نقول: دليل واحد يكفي، العليّ يكفي لما كان مؤمنًا بالله ورسوله مؤمنًا بالكتاب والسنة وقَّافًا عند الشرع يكفيه لفظ العليّ والأعلى والمتعال، لأن تكاثر النصوص إنما هو زيادة طمأنينة بالحكم الشرعي، وأما أصل الحكم الشرعي فكيفي فيه دليل واحد، كذلك ثبت عن كثير من السلف قال عن أبي مطيع بن الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض. عمن يقول يعني: يعتقد هذا الاعتقاد لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، قال: إذا أنكر أنه في السماء أو في الأرض فقد كفر. قال: قد كفر. يعني: كَفر كُفر أكبر، ليس كفر دون كفر، إنما خرج من الملة، فالعقيدة هذه عقيدة كفرية، ليست بعقيدة بدعية دون الكفر، ولذلك يقول: لا مقارنة. {كَذَا لَهُ الْعُلُوُّ والفَوْقِيَّهْ} نقول: هذه الكذلكة هنا ليس بمحلها بل هي غلط، نصرح بأنها غلظ رحمه الله تعالى وقد يكون لم يقصد ذلك، قال: إذا أنكر أنه في السماء أو في الأرض. فقال: قد كفر. لأن الله تعالى يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} .