وقوله: (بِلاَ كَيْفِيَّهْ) . هل المراد أن العلو الذاتي ليست له كيفية أو المراد نفي العلم بالكيفية؟ قوله: (بِلاَ كَيْفِيَّهْ) هل مراد المصنف رحمه الله تعالى يعني العلو الذاتي لا كيفية له، أم له كيفية وإنما ننفي علمنا بالكيفية؟ لا شك أنه الثاني، لأنه ما من صفة إلا وهي مكيفة بحسب الذات التي تضاف إليها الصفة، فالنفي هنا نفي لعلمنا بالكيف لا للكيف، لأن العلو الذاتي له كيفية، نحن نقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . استوى على جميع خلقه جل وعلا وهو على العرش، هذا له كيفية أم لا؟ له كيفية قطعًا، لكن لا ندري ما هي الكيفية. إذًا قوله: (بِلاَ كَيْفِيَّهْ) أي نعلمها، فالنفي للعلم بالكيفية لا لكيفية الصفة ذاتها لأنها ثابتة، ثابتةٌ معنى وحقيقةً، والتكييف هو تعين كنه الصفة، يعني حقيقة الصفة، أو حكاية كيفية الصفة، يعني يخبر كيف استوى لا شك أن الاستواء معلوم، يعني معناه في اللغة، لكن كيف استوى؟ لا ندري، أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى، العلو الذاتي ثابت للباري جل وعلا، وعلمنا معنى العلو الارتفاع والقهر والشأن، حينئذٍ نقول: هذا ثابت والمعنى معلوم من لسان العرب، لكن كيفية ذلك نقول: الله أعلم بها. أخبرنا بالأول فآمنا به ولم يخبرنا بالثاني فآمنا به، نؤمن في الإخبار وفي عدم الإخبار، إذًا التكييف هو تعيين كنه الصفة أو حكاية كيفية الصفة، يقال: كَيَّفَ الشيء. أي جعل له كيفية معلومة، وكيفية الشيء صفته وحاله، فالتكييف تعيين كنه الصفة وكيفيتها، وهذا مما استأثر الله تعالى به، فلا سبيل إلى الوصول إليه، إذ الصفة تابعة للموصوف، يعني لا يُمكن أن يُدْرِكَ حقيقة الصفة إلا إذا أدرك حقيقة الذات، ومن المحال إدراك حقيقة الذات ينبني عليه من المحال إدراك حقيقة الصفة المضافة إلى تلك الذات، إذًا عندنا شيئان: عندنا ذات، وعندنا صفة لتلك الذات، هل الذات معلومة؟ إن كان من حيث الإثبات نعم معلومة، لكن من حيث الحقيقة كيف هي؟ لا، ليست معلومة، الصفة المضافة إلى تلك الذات هل هي معلومة؟ تقول: من حيث المعنى نعم معلومة مدركة بالعقل ومدركة بلسان العرب، لكن من حيث كيفية الصفة نقول: الله أعلم بها غير مدركة. فكما لا يعلم كيف هو إلا هو فكذلك صفاته لأن الصفات يُحْذَى فيها حَذْوَ الذات، وقد سئل مالك رحمه الله تعالى فقيل له: ... {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ ليس السؤال هنا عن معنى استوى، وإلا لأجابه مالك رحمه الله تعالى، ولكنه سأل عن ما لا يعنيه، لو سأل عن ما يعنيه وهو إدراك معاني تلك الصفات لما أنكر عليه الإمام مالك رحمه الله تعالى كيف استوى؟ يعني بين لي الهيئة التي استوى الباري جل وعلا عليها، بَيِّنْ لي تلك الصفة كيف؟ فقال رحمه الله تعالى: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. قاعدة من قواعد الأسماء والصفات. فقوله: الاستواء معلوم. أي في لغة العرب، استوى معلوم علا وارتفع، وقوله: والكيف مجهول. أي كيفية استوائه سبحانه وتعالى لا يعلم كنهها وكيفيتها إلا هو سبحانه، وقوله: الإيمان به واجب.