هذا فيه معنى الشهيد ومعنى الرقيب ومعنى الحفيظ ومعنى المهيمن كلها اجتمعت في هذا القدر المشترك بينها المهيمن المطلع على خفايا الأمور، وكذلك الرقيب مطلع على خفايا الأمور، وكذلك الشهيد، وخبايا الصدور داخل فيما سبق الذي أحاط بكل شيء علمًا جل وعلا. قال الشارح: الشاهد على الخلق بأعمالهم. ففيه معنى الشهيد، الرقيب عليهم فيما يصدُر منهم من قول أو فعل، فما يصدر من قول أو فعل إلا والله تعالى يعلمه ويشاهده جل وعلا، لا يعيب عنه من أفعالهم شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى، إذًا المهيمن دخل فيه جميع المعاني السابقة المأثورة عن السلف، وكذلك المعنى اللغوي الذي ذكره من؟ من ذكره؟ ابن جرير الطبري قال: أصل الهيمنة - يعني في لسان العرب - الحفظ والارتقاب. ثم المعاني السلفية المنقولة عن السلف داخلة في المعنى، مثل قول ابن عباس وعطاء ونحوهم هذه داخلة في المعنى.
(العَلِيّ) بالعطف وتركه، يعني والعلي، وهو من أسمائه جل وعلا، ورد في ثمانية مواضع في القرآن منها قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} . في آخر آية الكرسي {وَهُوَ} أي الباري جل وعلا {الْعَلِيُّ} إذًا هذا مبتدأ وخبر، والعلي هذا اسم من أسمائه جل وعلا وهو محل وفاق، وقوله: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12] . العلي هذا من أسمائه جل وعلا، العلو عليّ دال على صفة العلو لأنه على القاعدة: كل اسم فهو دال على صفة، لو جُعِلَ الاسم ليس دالًا على صفةٍ حينئذٍ يكون ليس من أسمائه جل وعلا، لأن الباري جل وعلا قال: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} . فإذا كان لا يدل على معنى كيف كان حسنًا؟ لا يكون حسنًا فضلًا عن أن يكون أحسن، وهذا لا بد من تقعيده وتأصيله، العلو ضد السفل متقابلان، العلو ضد السفل، عالٍ وأسفل إذًا متقابلان، علو كل شيء أرفعه، عُلو الجبل أرفعه أعلاه يعني، وعلو البيت أعلاه السقف ونحوه، أليس كذلك؟ وعلو المسجد كذلك أعلاه، فعلو كل شيء أرفعه أعلاه، يقال: علا فلان الجبل إذا رَقِيَهُ يَعْلُوهُ عُلْوًا. هذا إذا ارتفع، هذا معنى ثابت في لسان العرب - انتبه - يعني العلو يأتي بمعاني ثلاثة في لسان العرب، وإذا كان كذلك في لسان العرب حينئذٍ نرجع إلى اسمه العليّ فنحمله على المعاني الثلاثة، إذًا يقال: علا زيد الجبل. يعني: ارتفع عليه أو لا؟ ارتفع عليه، إذًا العلي هو المرتفع، يقال: علا فلان الجبل إذا رقيه يعلوه علوًا إذا ارتفع عليه، هذا معنًى، معنىً آخر وعلا فلانٌ فلانًا إذا قَهَرَهُ ليس طلع فوقه وإنما قهره، أليس كذلك؟ لا يفسر بالمعنى السابق اللفظ واحد لكن المعنى يكون كذلك علا فلانٌ فلانًا، السابق علا فلانٌ الجبل واضح أن فلان زيد يعلو الجبل، علا فلانٌ فلانًا إذا قهره، وعلوت الرجل غلبته، إذًا يأتي بمعنى الارتفاع وهذا يكون في الذات، ويكون بمعنى القهر علا فلانٌ فلانًا إذا قهره، وعلوت الرجل غلبته. هذه المعاني كلها محمولة على اسمه جل وعلا، أو اسمه جل وعلا محمول على هذه المعاني الثلاث، وإليه ينقسم العلو كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.