الصفحة 167 من 439

وقال رجلٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم: أنت سيدنا. فقال: «السيد الله» . ودل قوله: الأحد الصمد على أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فإن الصمد هو الذي لا جوف له ولا أحشاء فلا يدخل فيه شيء فلا يأكل ولا يشرب سبحانه وتعالى كما قال: {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} [الأنعام: 14] يعني لا يطعمه أحدٌ وفي قراءة الأعمش وغيره: (ولا يَطْعَم) الأولى بفعل الفاعل، والثاني بنفسه. وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ... [الذاريات: 56: 58] ومن مخلوقاته جل وعلا الملائكة وهم صُمُدٌ لا يأكلون ولا يشربون، فالخالق لهم جل جلاله، لأن الأكل صفة نقص والشرب صفة نقص والتجزئة والتقسيم هذه صفة نقصٍ، فالخالق لهم إذا كانت الملائكة مخلوقة لله عز وجل وفيها هذه الصفة وهي صفة كمال في أصلها، فالباري جل وعلا من بابٍ أولى وأحرى، هذا ما يسمى بقياس الأولى، معطي الكمال هو أولى به، فالخالق لهم جل جلاله أحق بكل غنًى وكمالٍ جعله لبعض مخلوقاته، فلهذا فسر بعض السلف: الصمد بأنه الذي لا يأكل ولا يشرب، والصمد المصمد الذي لا جوف له فلا يخرج منه عينٌ من الأعيان فلا يلد، ولذلك قال من قال من السلف: هو الذي لا يخرج منه شيء. ثم قال بعد ذلك كلامٌ صحيح بمعنى أنه لا يفارقه شيءٌ منه. ... (الصَّمَدُ الْبَرُّ) بالعطف وتركه من أسمائه تعالى، ورد مرة واحدة في قوله سبحانه: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: 28] بَرّ والْبِرّ وجهان الْبِرّ الصدق والطاعة، البِرّ الطاعة وعبر بعضهم بالصدق والطاعة، والْبَرُّ الصادق يعني: الْبَرّ هذا اسم فاعل والْبِرّ وصف للشيء نفسه. قال القرطبي: البِرُّ هو الاتساع في الإحسان والزيادة. إذًا هو إحسانٌ وزيادة الاتساع في الإحسان إذًا مَرَدُّ البر إلى الإحسان. قال: قال القرطبي: البِرُّ هو الاتساع في الإحسان والزيادة .. إلى أن قال: ومنه يقال: أبَرّ على صاحبه في كذا أي زاد عليه. يعني عطاه عطاءً وزاد عليه، وسُمِّيَت الْبَرِيَّة بَرِيَّة لاتساعها، الْبَرِّيَّة الصحراء. قال ابن جرير {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} يعني اللطيف بعباده. قال الزجاج: والله تعالى بَرٌّ بخلقه في معنى أنه يُحْسِنُ إليهم ويُصْلِحُ أحوالهم. وقال خطابي: الْبَرُّ هو العطوف على عباده المحسن إليهم عَمَّ بِبِرِّهِ جميع خلقه، فلم يَبْخَلْ عليهن برزقه أو برَزْقِهِ، وهو الْبَرُّ بالمحسن في مضاعفته الثواب له، يعني بِرُّ الله عز وجل وإحسانه والسعة في الإحسان يشمل المطيع والعاصي، يشمل المطيع بزيادة، ويشمل العاصي بالعفو والصفح ونحو ذلك، والبر بالمسيء في الصفح والتجاوز عنده، وفي صفات المخلوقين رجلٌ برٌّ وبارٌّ إذا كان ذا خيرٍ ونفعٍ، ورجلٌ بَرٌّ بأبويه وهو ضدُّ العاقّ، والْبِرُّ يقع وصفًا وفعلًا كالرحمة تقع وصفًا وفعلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت