وغدًا، اليوم وغدًا لا يتصف بالقيام، ما الذي دل على ذلك؟ نقول: الإتيان بصيغة فَعَلَ الذي هو الفعل الماضي يدل على اتصاف زيد في الزمن الماضي الذي هو قبل التكلم، وأما أثناء التكلم فهو لم يقم، وكذلك بعد التكلم فهو لم يقم، حينئذٍ نزع عنه الوصف لدلالة الفعل الماضي على ذلك، لكن كان هنا إذا قلت كان زيد قائمًا فيما يتعلق بالمخلوق كان زيد قائمًا، يعني كان زيد متصفًا بصفة القيام في الزمن الماضي، واليوم والآن لا، ليس متصفًا بصفة القيام، وكذلك في الزمن المستقبل، أما كان في باب أسماء الله جل وعلا وصفاته فلا تدل على ذلك، وإنما تدل على الزمن الماضي ثم هي مسلوبة الزمن بمعنى أنها تدل على الاستمرار {إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا} كان في الماضي ولا زال، فحينئذٍ نعبر عن كان هذه أنها منزوعة الزمن، {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: 19] ، {وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134] ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب: 34] ، {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] إلى غير ذلك كل وصفٍ جاء قرنه بـ (كان) دل ذلك على أن الباري جل وعلا لم يزل في الزمن الماضي متصفًا بهذا الوصف.
قال ابن عباس أي: لم يزل كذلك. يعني فيما جاء الوصف بـ (كان) قال ابن عباس: لم يزل كذلك. يعني في الزمن الماضي وفي الزمن المستقبل.
ولا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى وُصِفَ بصفةٍ لم يكن متصفًا بها، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة، يعني ليس ثَمَّ صفة مُحْدَثَة خلت عنها الذات زمن من الأزمان ثم وُجِدَ هذا الوصف. هذا محال أن يكون، لا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى وصف بصفةٍ لم يكن متصفًا بها يعني أصل الصفة، وأما الآحاد وهذا شأنه شأن متعلق به كالنزول مثلًا هي باعتبار كون الذات قابلةً لنزول هي صفةٌ ذاتية، ثم وقوع النزول آحادًا بعد آحاد باختلاف تعاقب الليالي نقول: هذا حادث، كذلك الشأن في الكلام فهو ذاتي باعتبار ماذا؟ باعتبار قبول الذات لصفة الكلام، لكن باعتبار إحداث وحدوث الكلام نقول: هذا حادثٌ. ولذلك يعبرون عن ذلك بأنه: أزليُّ النوع حادثٌ الآحاد. ولا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى وُصِفَ بصفةٍ لم يكن متصفًا بها لأن صفاته سبحانه كلها صفات كمالٍ وفقدانها صفة نقصٍ ولا يجوز كونه قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفًا بضده، يعني حصل له العلمُ بعد أن لم يكن، إذا كان الأمر كذلك حينئذٍ وُصِفَ قبل وجود العلم بنقيض العلم أو لا؟ إذا قلت: بأن صفة العلم من أصلها حادثة، إذًا وصفت الرب بماذا؟ إما علمٌ وإما جهلٌ، هذا أو ذاك، فإذا نزعت وسلبت وصف العلم عن الباري جل وعلا في وقت ما قبل أن توجد المعلومات فحينئذٍ وصفته بنقيض العلم وهو الجهل، وهذا باطلًا لأنه وصف للخالق جل وعلا بالنقص، ولذلك قال هنا: ولا يجوز كونه قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفًا بضده. وتقدم بالأزلية حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما في بدأ الخلق: «كان الله ولم يكن شيءٌ غيره، وكان عرشه على الماء» . «كان الله» . هذه كان تامة، ولم يكن شيءٌ غيره كذلك كان تامة، «وكان عرشه على الماء» .