الصفحة 141 من 439

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في المعنى السابق: أي الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون على الصفة التي يريد والصورة التي يختار كقوله تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} . فصور خلقه على صفات مختلفة وهيئات متباينة كيف يشاء وهو المصور، ومن هنا أخذ أهل العلم أن التصوير محرم، وهو المصور وحرم التصوير على خلقه وتوعد المصورين من خلقه ولعنهم كما قال - صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المصور» . رواه البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام: «كل مصور في النار» .

بَاري الْبَرَايَا مُنْشِئُ الْخَلائِقِ ... مُبْدِعُهُمْ بِلا مِثالٍ سَابِقِ

(بَاري) أصلها بارئٌ بالهمز تركها للتخفيف أو لأجل النظم، سائل سأل فهو سائل، بَرَأَ فهو بارِئٌ، إذًا بالهمز، بارئ اسم فاعل من بَرَأَ، أي أَوْجَدَ وأَنْشَأَ، (بَاري الْبَرَايَا) (الْبَرَايَا) هذا مفعول به لقوله: (بَاري) جمع برية، ومنه قوله: {أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7] . أي جميع الموجودات، (مُنْشِئُ) هذا اسم فاعل أَنْشَأَ يُنْشِئُ فهو مُنْشِئْ وليس من أسمائه وإنما هو من صفاته، لأنه جاء ماذا؟ جاء قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ} [الملك: 23] . وسبق معنا أن الفعل إذا جاء في القرآن والسنة مضافًا ومسندًا إلى الباري جل وعلا فأخذ اسم فاعل منه هذا يكون من باب الإخبار إلا إذا جاء النص، وأما إذا لم يرد النص فيكون من باب الإخبار، إذًا اسم فاعل أنشأ وهو من باب الخبر، والنشء والنشأة إيجاد إحداث الأشياء وتربيتها {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} ، (بَاري الْبَرَايَا مُنْشِئُ الْخَلائِقِ) . هذا الأصل مضاف ومضاف إليه، إذًا خلائق هذا مضاف إلى منشئ، ومنشئ اسم فاعل، حينئذٍ يكون من باب إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، منشئ هو أي الخالق جل وعلا، الخلائق هذا مفعول به في الأصل، حينئذٍ يكون من باب إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، وهذا كثير في كلام العرب، (الْخَلائِقِ) جمع خَلِيقَة فَعِيلَة كجزيرة وجزائر وكنيسة وكنائس ونحو ذلك، خلائق، أي جميع المخلوقات، (مُبْدِعُهُمْ) أي ومنشئهم ومحدثهم يفسر ذلك قوله: (بِلا مِثالٍ سَابِقِ) أي بلا نظير سالف ومنه سميت البدعة بدعة، لأنها على غير مثال سبق في الشرع، وقال الله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي محدثها وموجدها على غير مثال سبق، فالإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء، هذا أصل البدعة، ومنه سميت البدعة بدعة لأنها على غير مثال سابق لم يأتِ بها الشرع، فالإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء، والبديع يقال للمبدع كما في الآية، والمثال (بِلا مِثالٍ) ، (مِثالٍ) مقابلة الشيء بالشيء هو نظيره وأصل السبق التقدم في السير نحو قوله تعالى: {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا} [النازعات: 4] . ثم تُجُوِّزَ به في غيره من التقدم، وهذا البيت مُفَسِّرٌ للبيت الذي قبله.

بَاري الْبَرَايَا مُنْشِئُ الْخَلائِقِ ... مُبْدِعُهُمْ بِلا مِثالٍ سَابِقِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت