الصفحة 140 من 439

{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} ، وقوله: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} . قال الزجاج: المصور هو مُفَعِّل من الصورة. يعني فيه تفعيل، والتفعيل مراد به التكثير لأن مادة فَعَّل تدل على ماذا؟ على تكرار لما دل عليه الفعل، المصوِّر هو مُفَعِّلٌ من الصورة، وهو تعالى مُصَوِّر كل سورة لا على مثال احتذاه ولا رسم ارتسمه تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. ورسمه الأثر، يعني لم يُرْسَم له رَسْم فيتبعه، وإنما الباري جل وعلا خلق ابتداءً، وقال ابن كثير: أي الذي إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون على الصفة التي يُريد، والصورة التي يختار. يعني كيف شاء وكيف يشاء، كقوله تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8] . ولهذا قال: (الْمُصَوِّرُ) أي الذي يُنَفِّذُ ما يريد إيجاده على الصفة التي يُريدها، عندنا خلق بمعنى التقدير، وعندنا بَرْءٌ وهو التنفيذ، تنفيذ يعني: إبراز وإخراج المخلوق من العدم إلى الوجود، ثم تمييز هذه الموجودات بعلامات يتميز بعضها عن بعض، هذا هو معنى الصورة في لسان العرب، قال الخطابي: المصور هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة ليتعارفوا بها. فقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} . وقال رحمه الله تعالى: التصور التخطيط والتشكيل. إذًا تقدير، ثم تنفيذ، ثم تخطيط وتشكيل، فالمصور الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعض، هكذا قال في معنى الصورة، والصورة ما ينتقش به الأعيان ويتميز بعضها عن بعض، وقد أطبق أو أطبقت كتب المعاجم على تفسير الصورة بمعنى الشكل، قالوا: صورة زيد، أي شكله وهيئته ونحو ذلك. فالمصور الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعضها، يعني جعل للشيء صفات يمتاز بعضها عن بعض بهذه الأشكال، أي الذي يُنَفِّذُ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها، يقال: هذه صورة الأمر أو مثاله، فأولًا يكون خلقًا ثم برأً ثم تصويرًا، وهذه الثلاثة الأسماء التي في صورة الحشر في خاتمتها {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24] أي هو المنفرد بخلق جميع المخلوقات، وبَرَأَ بحكمته جميع الْبَرِيَّات وصَوَّرَ بإحكامه وحسن خلقه جميع الكائنات، فخلقها وأبدعها وفطرها في الوقت المناسب لها، فالخالق هو المقدر للأشياء على مقتضى حكمته، والباري الموجود لها بعد العدم، والمصور أي المخلوقات الكائنات كيف شاء، (الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) فيهما تفصيل لمعنى اسم الخالق كما قال ابن القيم، يعني الخالق هذا عام جاء التفصيل في ماذا؟ (الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) فالبارئ معناه مُفسِّر لمعنى الخالق، والمصور معناه مفسر لمعنى الخالق، فكأنه يقول أن الخالق اسم عام، حينئذٍ يعم البارئ والمصور إلا أن البرء والتصوير فيه تفصيل أدق، حينئذٍ صار كالتفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت