والثاني: يُستعمل الخلق في الكذب وهذا [يجوز بل] [1] لا يجوز إلا في شأن البشر نحو قوله: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت: 17] أي تُقَدِّرُونَهُ وتهيئونه وهو كذب كقوله تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ص: 7] إذا تقرر ذلك فتارة يرد الخلق في القرآن في حق الله تعالى، ويراد به الإيجاد والإبداع، ومنه قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} [يس: 71] . هنا نفسره بالإيجاد والإبداع ولا يجوز تفسيره بالتقدير، لماذا؟ لأنه وصف الخلق بقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} فدل على أن الأمر هنا إيجاد شيء من شيء، وليس الأمر به التقدير، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] . لا يصح أن يفسر {خَلَقْنَاهُ} بمعنى قدرناه، إذ لو كان الخلق هنا في هذه الآية بمعنى التقدير فكان معنى الآية إن كل شيء قدرناه بقدر، فيكون تكرارًا بلا فائدة، وإنما المراد به هنا الخلق الإيجاد شيء من شيء، وكذا قوله تعالى: ... {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] لا يصح أن يُفسر بالتقدير إذ لو كان الخلق في هذه الآية بمعنى التقدير لكان معنى الآية وقدر كل شيء فقدره تقديرًا، وهذا تكرار لا فائدة فيه. إذًا في هذه الآيات الثلاث يفسر الخلق بمعنى إيجاد الشيء والإبداع، ولا يجوز أن يفسر بماذا؟ بالتقدير، وأما في نعوت الآدميين فالخلق بمعنى التقدير كقوله تعالى في شأن عيسى عليه السلام على قول آخر: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49] . يعني كأنه قدَّر في نفسه ولم ينفذ، لكن المراد هنا أنها آية فإذا كان كذلك فلا بد من شيء حسيّ، فتفسيره بالمعنى الأول وهو إيجاد الشيء من الشيء ويكون له مثال سابق أولى من التفسير بالتقدير و، الله أعلم. أما قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] . {الْخَالِقِينَ} جمع خالق، ما المراد به؟ قال المفسرون: أي أحسن المصورين والمقدرين. قال ابن جرير: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين. ثم قال: لأن العرب تُسمي كل صانع خالقًا. كل من صنع شيء يُسمَّى ماذا؟ يُسمى خالقًا، لأن إيجاد الشيء من الشيء على مثال سابق هذا ليس من خصائص الباري جل وعلا، انتبه إيجاد الشيء من الشيء هذا على مرتبتين قد يكون لا على مثال سابق، وهذا ليس من خصائص البشر، بل هو خاص بالباري جل وعلا، إيجاد الشيء من الشيء على مثال سابق هذا قدر مشترك، يعني: يجوز إطلاق هذا اللفظ بهذا المعنى على المخلوق ولا إشكال فيه، ولذلك هنا قال: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} يعني الصانعين لأن كل من صنع شيئًا سُمِّيَ خالقًا.
(1) سبق.