{وَإِذْ تَخْلُقُ} إذ وصف الله عز وجل عيسى بماذا؟ بصفة الخلق وهذا إيجاد شيء من شيء، يعني إخراج شيء من شيء وليس فيه إبداع، وهذا يجوز أن يتصف به المخلوق، وقد فسر بعضهم الخلق هنا بمعنى التقدير، والخلق لا يُستعمل في كافة الناس إلا على وجهين، يعني في البشر:
أحدهما في معنى التقدير في قول زهير يمدح رجلًا:
ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
أي أنت إذا قدرت أمرك قطعته وأمضيته وغيرك يُقدر ثم لا يشرع في الأمر، الناس على مرتبتين منهم إذا قدَّر الشيء في أن يفعل ويفعل وَيفعل نَفَّذَ وقطع الأمر ومشى قوة في العزيمة والإرادة.
النوع الثاني: يأتي ويسوف ويقدر أماني وأحلام أحلام يقظة ثم لا يفعل شيئًا. إذًا أيهما أكمل؟ الأول أكمل الذي إذا قدّر الشيء في نفسه حينئذٍ كانت الإرادة جازمة فيعمل بما قدّر، وأما إذا كان يُقدر ويُقدر ثم لا ينفِّذُ شيئًا هذا عاجز وهذا يعتبر ماذا؟ يعتبر عاجزًا. ولأنت تفري ما خلقت، يعني: تُنفِّذُ ما قدرت، وبعض القوم بعض الناس يخلق، يعني يقدر ثم لا يفري، والفري هنا المراد به التنفيذ يعني لا ينفذه، هذا النوع الأول ويجوز إطلاقه على المخلوق وليس خاصًا بالباري جل وعلا، وإن كان هذا المعنى كذلك يُطلق على الخالق.