وهذه كلها مردها إلى الاستقراء والتتبع، يعني ما جاء في الشرع بالنسبة إلى الله عز وجل إن إثبات وإما نفي، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] إثبات {اللَّهُ الصَّمَدُ} [إثبات] [1] ، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن} [الإخلاص: 2، 3، 4] كلها نفي، إذًا الآيتان الأوليان إثبات {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ} هذا إثبات، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ} حينئذٍ نقول: هذا نفي. {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] إثبات {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} إذًا هذا نفي وإثبات، فباب الصفات دائرٌ على أمرين: صفةٌ تثبت، وصفةٌ تنفى. فالثبوتية ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه، كالحياة والعلم والقدرة والاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا والوجه واليدين ونحو ذلك، فيجب إثباتها إذًا عرفنا أنه مثبتة، ما الذي يجب على المكلف يجب إثباتها لله تعالى حقيقةً، يعني: على الوجه اللائق به من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فليس إثباتها مطلق الإثبات؟ لا، لا بد أن نُثبت نؤمن باللفظ ونؤمن بما دل عليه، ثم ننفي المحاذير الأربعة، ثم ألا نتعرض لها بشيءٍ البتة، والصفات السلبية ما نفاه الله سبحانه عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكلها صفات نقصٍ في حقّه كالموت والنوم والجهل والنسيان والعجز والتعب هذه كلها جاءت في نصوص الوحيين، فيجب نفيها عن الله تعالى لما سبق، لأنها صفةٌ نفاها الله عن نفسه فوجب نفيها، لكن يبقى شيء آخر وهو إثبات ضدها، بل كمال ضدها على الوجه اللائق به، فالصفات المنفية ليس النفي المراد محض النفي، وإنما يراد به أمران:
الأول: نفي الصفة كالتعب مثلًا. ثم إثبات كمال ضده. إذ النفي المحض ليس بشيء، وإذا كان كذلك فحينئذٍ نقول: لا يوصف الله تعالى به، ليس الشأن كما هو الشأن في المخلوق. إذًا يجب نفيها مع إثبات ضدها، بل كمال ضدها، على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه، فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده، لا لمجرد نفيه، لأن النفي ليس بكمال، النفي من حيث هو ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلًا عن أن يكون كمالًا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له، والجدار لا يظلم صحيح؟ نعم الجدار لا يظلم، لماذا؟ لكونه لا يتصور منه الظلم ولا العدل، إذًا نفي الصفة عن الجدار [لكونه ليس قابلًا لـ .. ] أو لكون المحل ليس قابلًا لتلك الصفة، فلا يكون كمالًا كما لو قلت: الجدار لا يظلم. وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصًا يعني يمكن أن يتصف به لكنه لعجزه لم يتصف به، كما في قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لا يغدرون بذمةٍ ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
لماذا لا يظلمون الناس؟ لعجزهم، ما يستطيعون، والقول الآخر:
لكن قومِي وإن كانوا ذوي حسبٍ ... ليسوا من الشر في شيءٍ وإن هان
(1) سقط، ويدل عليه لفظ الآيتان الأوليان إثبات.