-الجهة الثانية: إسناده إلى لفظ الجلالة الرب {وَجَاء رَبُّكَ} ، لماذا؟ لأنه باتفاق أهل العربية أن الأفعال أوصافٌ في المعنى أو لا؟ إذا قلت: جاء زيد. أما وَصَفْتَ زيد بالمجيء؟ إذا قلت: قام زيدٌ أما وَصَفْتَ زيد بالقيام، كأنك قلت: زيدٌ قائمٌ، ما الفرق بين زيدٌ قائم وقام زيد؟ لا فرق من حيث الأصل، فزيدٌ قائمٌ وصفته بالقيام، وقام زيد وصفته بماذا؟ بالقيام لا فرق بينهما، وإنما الفرق من حيث الزمن فقط، يعني جاء أو قام زيدٌ في الزمن الماضي، أما زيدٌ قائمٌ فالآن، فحينئذٍ إذا أَسْنَدْتَ الفعل إلى الخالق جل وعلا حينئذٍ وصفته، فنقول: دَلَّ {وَجَاء رَبُّكَ} على إثبات صفةٍ من وجهين:
-أولًا كونه مشتقًا من المجيء.
-وثانيًا أُسْنِدَ إلى الفاعل. ولا يفهم العربي القح من إسناد الفعل إلى فاعله إلا وصفه بما دل عليه الفعل، «ينزل ربنا» . هذا في إثبات صفة النزول للرب جل وعلا من جهتين: الأولى «ينزل» . وهو مشتق، والثانية من جهة الإسناد إسناد الفعل إلى فاعله.
{وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} ، وقوله تعالى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: 16] {فَعَّالٌ} هذا من أمثلة المبالغة، {فَعَّالٌ} ولا بأس من إذًا الوجه الثالث تصريح بفعلٍ أو وصفٍ فعل كـ (كلم) {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} ، «ينزل ربنا» . أو بالوصف كقوله: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} ، {فَعَّالٌ} هذا صيغة مبالغة، ولا بأس بإطلاقها على الله عز وجل، صيغة المبالغة لا بأس بها، وليس المراد المبالغة بمعنى أن الشيء لم يكن بمعنى أنه ليس أهلًا للاتصاف بذلك الفعل، إنما المراد به كثرة الآحاد، كذلك قوله: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} [السجدة: 22] ، {مُنتَقِمُونَ} هذا جمع منتقم وهو اسم فاعل. إذًا يؤخذ الوصف من الفعل بأنواعه، ويؤخذ الوصف من أمثلة المبالغة، أو من اسم الفاعل، وسيأتي في آخر الفصل بعض القواعد المتعلقة بباب الصفات، إذ للصفات قواعد كما أن للأسماء قواعد، بل لأدلة أهل السنة في البابين قواعد، فالأمر محكم من أوله إلى آخره، ولكن هنا نذكر هنا ما لا يسوغ تأخيره.
القاعدة الأولى: الصفات توقيفية كما هو الشأن في باب الأسماء والصفات. فصفاته سبحانه مبنيةٌ على التوقيف، فلا يوصف جل وعلا إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما تتلقى الأسماء والصفات من السمع لا بآراء الخلق. قال أحمد رحمه الله تعالى: لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لا يُتَجَاوَز القرآن والحديث. إما كتابٌ وإما سنة وإما إجماعٌ.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( البدائع ) )ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، ما يطلق عليه على الرب جل وعلا في باب الأسماء والصفات توقيفي، موقوف على السماع، وما يطلق عليه في باب الأخبار أو الإخبار ويجوز الوجهان لا يجب أن يكون توقيفيًا كالشيء والموجود والقديم ونحو ذلك وسيأتي باب الإخبار.