الصفحة 111 من 439

الثاني: أن يجعلها دالةً على صفاتٍ تماثل صفات المخلوقين كما فعل أهل التمثيل، الله عز وجل قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] . أثبت الاسمين السميع البصير حينئذٍ السميع علمٌ، ودل على صفة السمع والبصير علمٌ ودل على صفة البصر، وكلٌ منهما له أحكامٌ متعلقةٌ بالبشر فهي صفاتٌ متعددة فوجب الإيمان بثلاثة الأمور التي ذكرنها في القاعدة السابقة، لكن هل السمع هذا في اللفظ مشتركٌ بين الخالق والمخلوق، أنت لك سمعٌ وكل مخلوقٍ له سمعٌ، وأنت لك بصرٌ وكل مخلوقٍ له بصرٌ، والله عز وجل موصوفٌ بالسمع والبصر، قال الله عز وجل - في قاعدةٍ كليةٍ من أهم قواعد باب الأسماء والصفات - قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} . {شَيْءٌ} نكرةٌ في سياق النفي فتعم لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله فهي عامة، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} . إذًا سميعٌ ويُثْبَتُ له السمع وليس كمثله سمعٌ، فلا تشابه لا تماثل بين صفة السمع بالنسبة للمخلوق مع صفة السمع لله عز وجل، وإن اشتركا في شيئين: الأول اللفظ هذا سمعٌ وهذا سمعٌ لكن إذا أضيف السمع إلى الخالق انفصل بمعنى أن ثَمَّ مباينة ومفاصلة عند إضافة كل لفظٍ إلى مسماه، فإذا أضيف السمع إلى الله عز وجل وأضيف السمع إلى المخلوق حينئذٍ ليس ثَمَّ مماثلة إلا في اللفظ، وفي أصل المعنى وهو إدراك المسموعات والمبصورات كما هو الشأن في البصر ونحو ذلك. إذًا أن يجعلها دالة على صفاتٍ تماثل صفات المخلوقين هذا يُسمَّى ماذا؟ يسمى إلحادًا، فالممثلة ملحدة لماذا؟ لأنه قالوا: لا نفهم من هذه الأسماء وما دلت عليه إلا ما ندركه بالبصر فلا نفهم سمعًا إلا هذا السمع، ولا بصرًا إلا هذا البصر، ولا يدًا إلا هذه اليد، ولا قدمًا إلا هذه القدم .. وهكذا، نقول: هذه مردودةٌ بالقاعدة العامة السابقة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، فمن ادَّعَى المماثلة ولو في صفةٌ واحدة فهو مُلْحِدٌ، وذلك لأن التمثيل معنًى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، أبطل الله عز وجل التمثيل بجميع احتمالاته فضلًا عن أن يكون شيئًا موجودًا من ذلك، والآية واضحة بينة بل هي من أوضح الواضحات ومن أحكم المحكمات، كما مر معنا مرارًا أن آيات التوحيد وآيات الأسماء والصفات أو شئت قل التوحيد بأنواعه هذه ليست من المحكم فحسب، بل هي من أحكم المحكم، يعني: لا يلتبس على اثنين كلٌ منهما معه شيءٌ من عقله أنه إذا قرأ قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} . أنه إذا قرأ {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} يُقَدِّم عليه أنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فنفى أولًا المماثلة، ثم أثبت، ولذلك قيل: التخلية قبل التحلية. فجعلوها دالةً عليه يعني ميلٌ بها عن ما يجب فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت