العثمانية كانت لها يد في مصرع كليبر وفي 17 يونيو أحتفل الجيش الفرنسي احتفالًا رهيبًا بتشييع رفات كليبر، وبعد دفن الجثة أعدم سليمان الحلبي وآلت القيادة العامة للحملة الى الجنرال مينو باعتباره أكبر ضباط الحملة سنًا [1] وكان هذا القائد من أنصار البقاء في مصر وخط سياسته استهدفت توطين الفرنسيين فيها إلا أن الضغوطات الداخلية والخارجية أضطرته الى مغادرة مصر بعد الهجوم المشترك الذي قام به الانجليز والعثمانيون على الفرنسيين في مصر. لقد تظافرت عوامل عدة أرغمت المحتلين الفرنسيين على الخروج من مصر في النهاية، منها تحطيم أسطولهم في معركة ابي القير البحرية، وسيطرة الانجليز البحرية في البحر المتوسط، وتشديدهم الحصار على الشواطئ المصرية، مما أعجز الحكومة الفرنسية عن إرسال النجدات والإمدادات الى فرنسا في مصر، وانضمام الدولة العثمانية الى أعداء فرنسا، والانقسام الذي حدث في صفوف الحملة وبدأت بوادره منذ بدأ جيش بونابرت زحفه الشاق من الاسكندرية الى القاهرة، ثم استفحل أمره بعد رحيل بونابرت وخصوصًا عقب مصرع كليبر وإبان قيادة مينو للحملة، وجهاد الشعب المصري المسلم ضد الاحتلال الفرنسي الصليبي، ذلك الجهاد الذي تمثل في ثورتي القاهرة الاولى والثانية، وفي العمليات الجهادية التي اشتعلت في الدلتا، وفي المقاومة التي اشتدت في الصعيد.
ودون أدنى شك كان لجهاد مسلمي مصر للحكم الفرنسي بالغ الأثر في زعزعة أركانه، وفي عجز الفرنسيين عن بلوغ غايتهم وتنفيذ أهدافهم وانهيار آمالهم في تشييد تلك المستعمرة الجميلة التي كانوا يحلمون بإتخاذها نواة لامبراطوريتهم الاستعمارية الجديدة في مصر [2] .
لقد كان لهذه الحملة آثارًا بالغة وسببًا من أسباب هزيمة الأمة الداخلية ولقد صور هذه الآثار على الأمة الاستاذ محمد قطب فقال: (ثم كانت الهزيمة الحربية التي وقعت بالمماليك على يد نابليون في إمبابة إيذانًا بالهزيمة الداخلية؛ هزيمة العقيدة في داخل النفوس. لقد روع المسلمون بمدافع نابليون وبدت لهم سيوف المماليك هذرًا فارغًا إزاء تلك المدافع الجديدة التي لم يكونوا يعرفونها أو يتصورون وجودها، في يد الاعداء. وانقلب ميزان القوى انقلابًا عنيفًا في نفوسهم فتلك هي المرة الأولى التي تنهزم فيها جيوش المسلمين عن جدارة، وتتغلب جيوش الصليبيين لأنها تملك قوة حقيقية من العتاد والفن الحربي والمعرفة لا يملكها
(1) انظر: عجائب الآثار (3/ 30) .
(2) انظر: الحملة الفرنسية وخروج الفرنسيين من مصر، ص188.