عصيانهم فجمع السلطان العلماء وأخبرهم بنية المتمردين فشجعوه على استئصالهم فأصدر الأوامر للمدفعية حتى تستعد لقتالهم ملوحًا باللين والتساهل في الوقت نفسه خوفًا من تزايد لهيب شرورهم. وفي صباح 9 ذي القعدة تقدم السلطان ووراءه جنود المدفعية وتبعهم العلماء والطلبة الى ساحة (آت ميداني) حيث اجتمع العصاة هناك يثيرون الشغب وقيل إن السلطان سار معه شيخ الاسلام قاضي زادة طاهر أفندي والصدر الاعظم سليم باشا أمام الجموع التي كانت تزيد على 60.000 نفس ثم أحاطت المدفعية بالميدان واحتلت المرتفعات ووجهت قذائفها على الانكشارية فحاولوا الهجوم على المدافع ولكنها صبت حممها فوق رؤوسهم فأحتموا بثكناتهم هروبًا من الموت، فأحرقت وهدمت فوقهم وكذلك تكايا البكتاشية، وبذلك انتصر عليهم. وفي اليوم التالي صدر مرسوم سلطاني قضى بإلغاء فئتهم وملابسهم واصطلاحاتهم واسمهم من جميع بلاد الدولة وإعدام من بقي منهم هاربًا الى الولايات أو نفيه، ثم قلد حسين باشا الذي كانت له اليد الطولى في إبادتهم قائدًا عامًا (سرعسكر) وبدأ بعدها نظام الجيش الجديد [1] .
ثم أصبح السلطان محمود بعد ذلك حرًا في تطوير جيشه، فترسم خطى الحضارة الغربية فأستبدل الطربوش الرومي بالعمامة، وتزيا بالزي الأوروبي، وأمر أن يكون هو الزي الرسمي لكل موظفي الدولة العسكريين منهم والمدنيين، وأسس وسامًا دعاه وسام الافتخار [2] فكان أول من فعل ذلك من سلاطين آل عثمان [3] .
وما قام به السلطان محمود من استبدال العمامة بالطربوش وفرض اللباس الأوروبي على كافة المجموعات العسكرية يدل على شعوره العميق بالهزيمة النفسية وسوف نتعرض لأسبابها إن شاء الله تعالى.
كان محمد علي شخصية سيئة السمعة معروفًا بالقسوة وغلظة الكبد ترسله الدولة العثمانية لتأديب القرى التي تتأخر في دفع مايفرض عليها من المال، فيعسكر هو وأفراد حملته التأديبية حول القرية ينهبون ويسلبون ويفزعون الآمنين، حتى يرى أهل القرية أن الأفضل لهم أن يدفعوا الأموال المطلوبة وإن أبهظثهم وكان محبًا للعظمة الى حد الجنون [4] .
(1) انظر: تاريخ الدولة العثمانية، د. علي حسون، ص169.
(2) انظر: المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية، عبد الله بن حمد، ص73.
(3) انظر: تاريخ الدولة العثمانية، د. علي حسون، ص169.
(4) انظر: واقعنا المعاصر لمحمد قطب، ص205.