البلاد، وذهاب السياسة، فقال له: أفعل في هذا ماتراه مصلحة! فقال له نظام الملك: مايمكنني أن افعل إلا بأمرك فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد؛ وحلف له، وأقطعه إقطاعًا زائدًا على ماكان، وخلع عليه، ولقبه ألقابًا من جملتها: أتابك، ومعناه الأمير الوالد، فظهرت من كفايته، وشجاعته، وحسن سيرته ما أثلج صدور الناس، فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجّابه، فأنكر ذلك عليه وقال: إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والاعيان لاحاجة لهم إليك، ثم صرفه عن حجابته [1] .
كان يحب العلم وخصوصًا الحديث، شغوفًا به وكان يقول: إني أعلم بأني لست أهلًا للرواية ولكني أحب أن أربط في قطار [2] نقلة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [3] ، فسمع من القشيري، أبي مسلم بن مهر بزد، وأبي حامد الأزهري [4] .
وكان حريصًا على أن تؤدي المدارس التي بناها رسالتها المنوطة بها فعندما أرسل إليه أبو الحسن محمد بن علي الواسطي الفقيه الشافعي أبيات من الشعر يستحثه على المساعة للقضاء على الفتن التي حدثت بين الحنابلة والأشاعرة قام نظام الملك وقضى على الفتنة ومما قاله ابو الحسن الواسطي من الشعر:
يانظام الملك قد حلّ ... ببغداد النظام
وابنك القاطن فيها ... مستهان مستضام
وبها أودى له قتلى ... غلام، وغلام
والذي منهم تبقي ... سالمًا فيه سهام
ياقوام الدين لم ... يبقى ببغدا مقام
عظُم الخطبُ وللحرب ... اتصال ودوام
فمتى لم تحسم الداء ... أياديك الحسام
(1) انظر: الكامل لابن الأثير (2/ 256) .
(2) قطار: قافلة.
(3) انظر: البداية والنهاية (12/ 150) .
(4) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (19/ 95) .