الى اللورد كيث القائد العام للأسطول البريطاني في البحر المتوسط برفض أي اتفاق أو معاهدة بشأن الجلاء عن مصر، طالما كان هذا الاتفاق لا ينص على ضرورة أن يسلّم الفرنسيون أنفسهم كأسرى حرب تسليمًا مطلقًا دون قيد أو شرط، فأعد كيث رسالة بهذا المعنى الى كليبير وصلته في أوائل مارس 1800م.
وأمام هذا التحول المفاجئ لم يجد كليبير مفرًا من وقف عملية الجلاء التي كان قد بدأها تنفيذًا لاتفاقية العريش، ثم أسرع في صبيحة يوم 20 مارس 1800م بالزحف على رأس جيشه لوقف تقدم العثمانيين الذين وصلت طلائعهم الى المطرية على مسافة ساعتين من القاهرة، فوقعت معركة (عين شمس) التي امتد ميدانها من المطرية حتى جهات الصالحية، وهزم الفرنسيون فيها العثمانيون هزيمة شديدة. وفي أثناء معركة هليوبوليس كان فريق من جيش الصدر الأعظم وبعض عناصر المماليك قد تسللوا الى داخل القاهرة وأثاروا أهلها على الفرنسيين، فكانت ثورة القاهرة الثانية التي استمرت مدة شهر تقريبًا من 20 مارس الى 20 أبريل سنة 1800م [1] .
ولم يستطيع كليبر إخماد الثورة إلا بعد إلتجائه الى العنف، فدك القاهرة بالمدافع من كل جانب، وشدد الضرب على حي بولاق حيث تركزت الثورة فاندلعت ألسنة النيران في كل مكان منه، والتهمت الحرائق عددًا كبيرًا من الوكائل والخانات، فلم يجد سكان بولاق مفرًا من التسليم، وتلاهم سكان الأحياء الاخرى، وتولى مشايخ الأزهر الوساطة وأخذوا من كليبر العفو الشامل والأمان، ولكنه مالبث أن غدر بالمسلمين بعد أن خمدت الثورة، وكان اقتصاصه منهم رهيبًا شديدًا فأعدم بعضهم وفرض غرامات فادحة على كثير من العلماء والأعيان، كما فرض المغارم على أهل القاهرة جيمعًا، ولم يستثني منهم الطبقات الشعبية الكادحة [2] ، وعهد كليبر الى المعلم"يعقوب"أن يفعل بالمسلمين مايشاء، ومما يذكر أن بطريرك الأقباط لم يقر يعقوب على تصرفاته، وكثير مابذل له النصح بالعدول عن خطته، ولكن يعقوب كان يغلظ له القول وكان يدخل الكنيسة راكبًا جواده ورافعًا سلاحه، ولم يزدد إلا إمعانًا في تأييد الفرنسيين [3] .
ولم يمض على إخماد ثورة القاهرة إلا شهرين حتى أغتيل كليبر في 24 يوليو 1800م بطعنة قاتلة من أحد طلبة الأزهر الشاميين، وهو سليمان الحلبي، ومن المعتقد أن السلطات
(1) انظر: العالم العربي في التاريخ الحديث، ص214.
(2) انظر: العالم العربي في التاريخ الحديث، ص214،215.
(3) انظر: الدولة العثمانية، د. جمال عبد الهادي، ص89.