(فائدة) : دلت الأحاديث المتقدمة على أن صلاة السفر أصل بنفسها , و أنها ليست مقصورة من الرباعية كما يقول بعضهم , فهي في ذلك كصلاة العيدين و نحوها , كما قال عمر رضي الله عنه:"صلاة السفر و صلاة الفطر و صلاة الأضحى و صلاة الجمعة , ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم".
رواه ابن خزيمة و ابن حبان في"صحيحيهما", و هو مخرج في"إرواء الغليل" (638) .
و ذلك هو الذي رجحه الحافظ في"فتح الباري"بعد أن حكى الاختلاف في حكم القصر في السفر , و دليل كل , فقال (1/ 464) :"و الذي يظهر لي - و به تجتمع الأدلة السابقة - أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب , ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلا الصبح , (ثم ذكر حديث محبوب , و فاته متابعة المرجى , و قال:) ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة و هي قوله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) * , و يؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في"شرح المسند": أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة ..".
و خالف ما تقدم من التحقيق حديثيا و فقهيا بعض ذوي الأهواء من المعاصرين , و هو الشيخ عبد الله الغماري المعروف بحبه للمخالفة و حب الظهور , و قديما قيل: حب الظهور يقصم الظهور! و الأمثلة على ذلك كثيرة كنت ذكرت بعضها في مقدمة المجلد الثالث من السلسلة الأخرى:"الضعيفة", و في تضاعيف أحاديثها. و أمامنا الآن هذا المثال الجديد: لقد زعم في رسالته"الصبح السافر" (ص 12) في عنوان له:"فرضت الصلاة أربعا لا اثنتين", و استدل لذلك - مموها على القراء - بأمور ثلاثة:
الأول: الآية السابقة * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة .. ) * , و ذكر أنها نزلت في صلاة الخوف في العهد المدني.
الثاني: أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله وضع عن المسافر الصيام و شطر الصلاة". رواه أصحاب السنن و غيرهم , و هو مخرج عندي في"صحيح أبي داود" (2083) و غيره.
الثالث: أنه ساق خمسة أحاديث صريحة في أن قصر الصلاة كان في مكة حين نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم , و صلى به الصلوات الخمس. و الجواب على الترتيب السابق:
1 -أما الآية فقد اعترف هو (ص 20) أنها نزلت بعد الهجرة في السنة الرابعة أو الخامسة , و زاد ذلك بيانا فقال (ص 21) :"بل الذي وقع أنه كان بين زيادة صلاة الحضر و قصر صلاة السفر فترة زادت على ثلاث سنوات كما مر"!
قلت: فهو قد هدم بهذا القول الصريح ذلك العنوان , و ما ساقه تحته من الأدلة , و هذا أولها , فإن معنى ذلك أن صلاة الحضر فرضت اثنتين اثنتين , ثم زيدت في المدينة , و هذا يوافق تماما حديث عائشة وبخاصة حديث الترجمة ,وما استظهره الحافظ كما تقدم , ويخالف زعمه أنها فرضت أربعا أربعا في مكة!
2 -الأحاديث التي ذكرها و أشرت إليها , و نقلت إلى القراء واحدا منها , لأن الجواب عنه جواب عنها , و هو في الحقيقة نفس الجواب عن الآية السابقة , لأن الوضع المذكور في الحديث يصح حمله في كل من الاحتمالين أي سواء كانت الزيادة مكية كما يزعم الغماري , أو مدنية
كما يدل عليه ما تقدم من الأحاديث , فقوله (ص 12) :"فهذه ثلاثة أحاديث تصرح بأن صلاة المسافر مقصورة من أربع ركعات , لأن معنى وضع شطر الصلاة حط نصفها بعد أن كان إتمامها واجبا عليه". قلت: فهذا الكلام لا ينافي ما ذكرته , و لادليل فيه يؤيد به انحرافه! 3 - أما الأحاديث الخمسة الصريحة , فهي في الحقيقة أربعة لأن الثالث و الخامس منها مدارهما على الحسن البصري مرسلا , و هي كلها
ضعيفة منكرة , و قد دلس فيها على القراء ما شاء له التدليس , و أوهمهم صحة بعض أسانيدها و صراحة متونها و هو في ذلك غير صادق , و إليك البيان بإيجاز و تفصيل: أما الإيجاز: فهو أن الأحاديث الخمسة منكرة كلها , لضعف أسانيدها و مخالفتها للأحاديث الصحيحة التي لم تذكر تربيع الركعات في الظهر و العصر و العشاء , و بعضها يصرح أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين , فأقرت في السفر و زيدت في الحضر.
رفع الحرج عن الأمة بالجمع الحقيقي لا الصوري ففيه الحرج
2837 - (صنعت هذا لكي لا تحرج أمتي. يعني الجمع بين الصلاتين) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)