فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 33778 من 67893

و ليس بخاف على أحد أوتي شيئا من العلم ما في ذاك الاختيار من المخالفة لصريح قوله تعالى * (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا: فيم كنتم ? قالوا: كنا مستضعفين في الأرض , قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟! فأولئك مأواهم جهنم و ساءت مصيرا. إلا المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم و كان الله عفوا غفورا , و من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما(أي تحولا) كثيرا و سعة , و من يخرج من بيته مهاجرا إلى الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله و كان الله غفورا رحيما) * (النساء 97 - 100) .

قال الحافظ ابن كثير في"تفسيره" (1/ 542) :"نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين , و هو قادر على الهجرة , و ليس متمكنا من إقامة الدين , فهو ظالم لنفسه , مرتكب حراما بالإجماع , و بنص هذه الآية".

و إن مما لا يشك فيه العالم الفقيه أن الآية بعمومها تدل على أكثر من الهجرة من بلاد الكفر , و قد صرح بذلك الإمام القرطبي , فقال في"تفسيره" (5/ 346) :"و في هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي , و قال سعيد ابن جبير: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها , و تلا: * (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ?) *".

و هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم في"تفسيره" (2/ 174 / 1) بسند صحيح عن سعيد. و أشار إليه الحافظ في"الفتح"فقال (8/ 263) :"و استنبط سعيد بن جبير من هذه الآية وجوب الهجرة من الأرض التي يعمل فيها بالمعصية".

و قد يظن بعض الجهلة من الخطباء و الدكاترة و الأساتذة , أن قوله صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح"ناسخ للهجرة مطلقا , و هو جهل فاضح بالكتاب و السنة و أقوال الأئمة , و قد سمعت ذلك من بعض مدعي العلم من الأساتذة في مناقشة جرت بيني و بينه بمناسبة الفتنة التي أثارها علي ذلك الخطيب المشار إليه آنفا , فلما ذكرته بالحديث الصريح في عدم انقطاع التوبة المتقدم بلفظ:"لا تنقطع الهجرة .."إلخ .. لم يحر جوابا!

و بهذه المناسبة أنقل إلى القراء الكرام ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في الحديثين المذكورين , و أنه لا تعارض بينهما , فقال في"مجموع الفتاوى" (18/ 281) : " و كلاهما حق, فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه , و هي الهجرة إلى المدينة من مكة و غيرها من أرض العرب , فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة و غيرها دار كفر و حرب , و كان الإيمان بالمدينة , فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها , فلما فتحت مكة و صارت دار الإسلام و دخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام , فقال:"لا هجرة بعد الفتح", و كون الأرض دار كفر و دار إيمان , أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها: بل هي صفة عارضة بحسب سكانها , فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت , و كل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت , و كل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت , فإن سكنها غير ما ذكرنا و تبدلت بغيرهم فهي دارهم"

و كذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه , و كذلك دار الخمر و الفسوق و نحوها إذا جعلت مسجدا يعبد الله فيه جل وعز كان بحسب ذلك , و كذلك الرجل الصالح يصير فاسقا و الكافر يصير مؤمنا أو المؤمن يصير كافرا أو نحو ذلك , كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال و قد قال تعالى: * (و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة) * الآية نزلت في مكة لما كانت دار كفر و هي ما زالت في نفسها خير أرض الله , و أحب أرض الله إليه , و إنما أراد سكانها. فقد روى الترمذي مرفوعا أنه قال لمكة و هو واقف بالحزورة:"والله إنك لخير أرض الله , و أحب أرض الله إلى الله , و لولا ان قومي أخرجوني منك لما خرجت , و في رواية:"خير أرض الله و أحب أرض الله إلي", فبين أنها أحب أرض الله إلى الله و رسوله , و كان مقامه بالمدينة و مقام من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم , و لهذا كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة و"

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت