تلقاه المكيون عنه؛ كما حقق ذلك ابن الجزري (2/ 392) ، وقال قبل ذلك
(2/ 390) بعد أن ذكر الحديث وغيره مما تقدم:
"قال الداني: فهذا سبب التخصيص بالتكبير من أخر: {والضحى} ،"
واستعمال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إياه، وذلك كان قبل الهجرة بزمان؛ فاستعمل ذلك المكيون،
ونقل خَلَفهم عن سلفهم، ولم يستعمله غيرهم؛ لأنه اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك ذلك بعد، فأخذوا
بالآخر من فعله"."
فأين التواتر الذي زعمه هذا الجاهل - أو: المتجاهل - ونسبه إلى الأمة، مع
تصريح هذا الإمام الداني بأنه لم يستعمله غير المكين؟! أم أن هؤلاء ليسوا عنده من
الأمة؟! وماذا يقول في تعليل الإمام الداني تركهم له؟!
ثم إن المكيين أنفسهم لم يستمروا على استعماله؛ فقد ذكر الفاكهي في
"أخبار مكة" (3/ 36/1745) أن ابن أبي عمر قال:
"أدركت الناس في مكة على هذا: كلما بلغوا: {والضحى} ؛ كبروا حتى"
يختموا، ثم تركوا ذلك زمانًا، ثم عاودوه منذ قريب، ثم تركوه إلى اليوم"."
وابن أبي عمر هذا من شيوخ الفاكهي ومسلم، واسمه: محمد بن يحيى بن
أبي عمر العدني أبو عبدالله الحافظ، وقد أكثر الفاكهي عنه بحيث أنه روى عنه
أكثر من خمسمائة رواية - كما ذكر ذلك المعلق على كتابه جزاه الله خيرًا -، مات
سنة (243) .
قلت: فهذه الرواية مما يُبطل التواتر الذي زعمه؛ لأنها تنفي صراحة انقطاع
استمرار العمل، بل قد جاء عن بعض السلف إنكار هذا التكبير واعتبره بدعة،
وهو عطاء بن أبي رباح المكي؛ فقال الفاكهي: حدثني أبو يحيى بن أبي مرة عن
ابن خنيس قال: سمعت وهيب بن الورد يقول: (قلت: فذكر قصته، وفيها) ولما
بلغ حميد (وهو: ابن قيس المكي) : {والضحى} ؛ كبر، فقال لي عطاء: إن هذا
لبدعة.
وهذا إسناد جيد، وفيه إثبات سماع وهيب من عطاء، فما في"التهذيب"
-وتبعه في"جامع التحصيل"- أن روايته عن عطاء مرسلة؛ لعله وهم، أو سبق
قلم! فإن الذي في"الجرح"مكان: (عطاء) (طاوس) وهو أقدم وفاة من عطاء.
والله أعلم.
وفتوى ابن تيمية الواردة في المجلد (13) من"مجموع الفتاوى"(ص 417 -
419)تميل إلى عدم مشروعية هذا التكبير؛ فإنه سئل عنه فقال:
"إذَا قَرَأوا بِغَيْرِ حَرْفِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ كَانَ تَرْكُهُمْ لِذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلَ، بَلْ الْمَشْرُوعَ"
الْمَسْنُونَ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ مِنْ الْقُرَّاءِ لَمْ يَكُونُوا يُكَبِّرُونَ، لَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ وَلَا فِي
أَوَاخِرِهَا. فَإِنْ جَازَ لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ نَقَلَ التَّكْبِيرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَؤُلَاءِ نَقَلُوا تَرْكَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ مِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ
تَكُونَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ الَّتِي نَقَلَتُهَا أَكْثَرُ مِنْ [نَقَلَةِ] قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، قَدْ أَضَاعُوا فِيهَا مَا
أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ أَهْلَ التَّوَاتُرِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ كِتْمَانُ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ
وَالدَّوَاعِي إلَى نَقْلِهِ، فَمَنْ جَوَّزَ عَلَى جَمَاهِيرِ الْقُرَّاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُمْ بِتَكْبِيرِ
زَائِدٍ، فَعَصَوْا أَمْرَهُ، وَتَرَكُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ؛ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ الَّتِي تَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ
عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ". ثم قال:"
"وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالتَّكْبِيرِ لِبَعْضِ مَنْ أَقْرَأَهُ؛ كَانَ غَايَةُ ذَلِكَ يَدُلُّ"
عَلَى جَوَازِهِ أَوْ اسْتِحْبَابِهِ ..."."
ومن غرائب ذاك الزعبي أنه نقل (ص 49 - 51) فتوى ابن تيمية هذه، ثم
استخلص منها أن ابن تيمية يقول بسنية التكبير! فذكرني المسكين بالمثل المعروف:
"عنزة ولو طارت"؛ فإنه تجاهل عمدًا قول ابن تيمية الصريح في الترك، بل المشروع
المسنون. كما تجاهل إيماءه القوي بعدم ثبوت الحديث بقوله:"ولو قُدِّر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم"
أمر بالتكبير ..."؛ فإنه كالصريح أنه لم يثبت ذلك عنده، وأنا على مثل اليقين أن"
القائل بسنية التكبير، المستدل عليه بحديث الترجمة؛ والمدعي صحته - كهذا
الدعي الزعبي - لو سئل: هل تقول أنت بما قال ابن تيمية:"ولو قدر ..."إلخ؟
فإن أجاب بـ"لا"، ظهر كذبه على ابن تيمية وما نسب إليه من السنية، وإن قال:
"نعم"؛ ظهر جهله باللغة العربية ومعاني الكلام، أو تجاهله ومكابرته. والله المستعان.
والخلاصة: أن الحديث ضعيف لا يصح - كما قال علماء الحديث دون خلاف
بينهم -، وأن قول بعض القراء لا يقويه، ولا يجعله سنة، مع إعراض عامة القراء
عنه، وتصريح بعض السلف ببدعيته. والله ولي التوفيق.
وإن مما يؤكد ذلك اختلاف القاثلين في تحديد ابتدائه وانتهائه على أقوال كثيرة
تراها مفصلة في"النشر"، كما اختلفوا هل ينتهي بآخر سورة الناس، أو بأولها!
وصدق الله العظيم القاثل: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} . (إنتهى نقلا عن العلامة الألباني)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)