وسرُّ ذلك التعبير ب (في) للضلالة هو أن صاحبها منغمس في ضلاله وفي ذل الدنيا والآخرة.
أما صاحب الطاعة والهدى فسرُّ التعبير عنه ب (على) لأنه يكون في الدنيا والآخرة في عزة وارتفاع.
7 -قوله (على هدىً من ربهم) يدل على شدة التمكن, ويدل على كمال الرحمة واليسر والسهولة فيه.
8 -قوله (من ربهم) فيه دلالة على كمال الهدى.
9 -ذكَر الله أوصاف المتقين للحث على التخلق بها.
** الإشارة في قوله (أولئك على هدى من ربهم) تدل على علو الرتبة وكمالها أي علو رتبة الهدى ومن سلكه, وذكره للفلاح بعد بيان حال ما هم عليه من التمسك بالهدى هو من باب بيان تقديم الوسيلة على الغاية, لأن الهدى وسيلة يُتَوصَّل بها إلى الغاية وهي الفلاح, وأحيانا تُقدّم الغاية على الوسيلة وهو كثيرٌ كقوله تعالى (أولئك لهم الأمنُ وهم مهتدون) لأنه لن يكون لهم الأمن إلا بعد تحقيقهم الاهتداء.
** قوله تعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة .. )
السمع ينقسم إلى قسمين:
@ سمع إدراك @سمع قبول وإجابة
والنفي في الآية لا يراد به نفي الإدراك إنما المرادُ نفي الثاني وهو انتفاعهم بما يسمعون.
والختمُ حقيقة وليس مجازًا ..
الوقفات:
1 -أن الأسماع والأبصار الأصل فيها الانتفاعُ, ولكن تتحول إلى عدم الانتفاع سبب المعاصي والذنوب (وما تغني الاياتُ والنذُر عن قوم لا يؤمنون) .
2 -كمال الضلال, فلا ينفذ لصاحبه الحق أبدًا, ولا يخرجُ منه هدى وحقٌّ, (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة .. ) .
3 -أن من حكَم الله عليهم بالضلال لا يمكن أن يهتدوا قال تعالى (عن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون) .
4 -في تقديم السمع على البصر إشارة إلى أن السمع أهم من البصر, لأن السمع أعظم نفعا من البصر, وقد قُدم السمع على البصر في القرآن إلاموضعي سورة الأعراف (لهم أعينٌ لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها) (أم لهم أعينٌ يبصرون بها أملهم آذان يسمعون بها) .
5 -شدة الوعيد للكفار لأنه قال (ولهم عذاب عظيمٌ) فهذا العذاب عظيم من حيثُ مدتُه ومكانه وزمانه وماهيته ..
* الطبع: اسم عام يشمل الختم والغشاوة كما في قوله (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم .. ) .
قوله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)
• إذا أطلق القولُ لا يكون إلا بصوت وحرف, فإذا أريد غيرُ ذلك قُيِّدَ, أما إذا ورد مقيدًا فلا يلزم منه صوت وحرف, كقوله (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) وكقوله (ولم يبدها لهم قال أنتم شرٌّ مكانًا وأضل عن سواء السبيل)
• مجرد القول لا يكون دليلا قاطعا على ما في القلب بل يكون دليلا محتملًا فقط ولذلك قال الله (ولتعرفنهم في لحن القولِ)
• الإيمان قولٌ وعملٌ في القلب, وفي الجوارح قولٌ وعملٌ, والمنافقون آمنوا بالجارحة (اللسان) ولم يعملوا بقلوبهم.
• الإنسان يسعى لتقسيم المادة العلمية ليفهم المخاطَب, وهذا المسلك ظاهر في القرآن وفي هذه الآيات حيث ذكر الله صفة المؤمنين, ثم الكافرين, ثم المنافقين.
(يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون)
• مكر الإنسان وخداعه يحيق به قال تعالى (وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) .
• ضرورة أخذ الحيطة من المنافقين امتثالًا لقوله تعالى (هم العدو فاحذرهم) .
• إذا أظهر المنافق خلاف ما يبطِن فإنه يعرَف بقوله, لقوله تعالى (ولتعرفنهم في لحن القول) .
• شدة عمى البصيرة عند المنافقين لقوله تعالى (وما يشعرون) , ولذلك قال قائلهم (لا تفتنِّي) ,وقال الله عنهم (ألا في الفتنة سقطوا) .
• قال الصديق رضي الله عنه: ثلاث من كنَّ فيه كنَّ عليه: البغي والمكر والنكث.
وتفصيل ذلك من القرآن يظهر في قوله تعالى (إنما بغيكم على أنفسكم) , وقوله (ولا يحيق المكرُ السيئ إلا بأهله) ,وقوله (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) .
(في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضًا .. )
• مرض القلب خطير وشديد وفي الآية تنبيه على خطر الاسترسال في النوايا الخبيثة والأعمال المنكرة لما يولده ذلك من التمادي والزيادة.
• (في قلوبهم مرض) التنكير أفاد في (مرض) التكثيرَ والتنويعَ, وقوله (فزادهم مرضًا) جاء منكرًا أيضًا, فهل هو نفس المرض الأول أم نوعٌ آخر؟؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)