قيل: لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة في أيام بابك، ولبسوها شعارًا لهم.
وقيل: لأنهم يطلقون على مخالفيهم اسم الحمير (48) .
وقيل لأن أخلاقهم وطبائعهم صارت شبيهة بطبائع الحمير (49) .
ولا مانع أن توجد هذه الأسباب كلها فيهم، وإن كان أكثر العلماء يرجح القول الأول.
الفصل الخامس
ما هي الطرق والحيل التي يستعملها الباطنيون لإغواء الناس؟
من المبادئ الأساسية عند الباطنية تقديس النفاق والكذب والخداع، ومن الوصايا الهامة التي يجب أن يسير بموجبها كل داعية باطنية هي أن يجاري من يخاطبه، ويوافقه في مذهبه تمامًا، بل ويحسِّن له الغلو فيه، ويريه أنه أحرص منه على التزامه به.
فإذا كان المدعو شيعيًا فإنه يجب أن يكون مذهب الداعية شيعيًا أيضًا، وإذا كان المدعو فاجرًا مستهترًا أو ناسكًا متعبدًا أو يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا فإن مذهب الداعي كذلك وغيرها من ذلك النفاق والكذب.
هل لهم حيل وطرق للوصول إلى قلوب الناس والتدرج بهم في الكفر شيئًا فشيئًا, وما هو سبب استتارهم وراء هذه الحيل؟
سبب استتارهم وراء هذه الحيل هو الخوف من إظهار كفرهم بطريقة مكشوفة.
وترتيب حيلهم هذه كما يلي:
الزرق والتفرس، ثم التأنيس، ثم التشكيك، ثم التعليق، ثم الربط، ثم التدليس، ثم التأسيس، ثم الخلع، ثم المسخ أو السلخ.
وفيما يلي تعريف موجز بهذه الحيل:
الحيلة الأولى:
وهي حيلة الزرق والتفرس، ومعناها: أن يكون الداعي ذكيًا فطنًا صاحب فراسة، يميز بين من يطمع في استدراجه لقبول دعوته، ومن لا يطمع في ذلك وله معرفة بتأويل النصوص وإخراجها عن معانيها الظاهرة إلى المعاني الباطنة، وأن لا يبدأ بالمخالفة للمدعو بل يوافقه ثم يستدرجه بعد ذلك على حسب الخطط الباطنية إذا تفرس فيه القبول.
الحيلة الثانية:
وهي التأنيس: والمراد بها الوصول إلى قلب المدعو واستمالته بلطف الحديث وذكر بعض الآيات والأحاديث والأشعار، وبحث جوانب من الأمور اليومية، وإلقاء خطب ومواعظ، ويظهر له كل أمر يزيد في الأنس بينهما ويقرِّب بين الأفهام.
الحيلة الثالثة:
هي التشكيك: وهي أن يسأل الداعي المدعو عن مسائل في أمور الدين، وهي مسائل يعجز المدعو عن الإجابة عنها لجهله، وذلك أن الدعاة الباطنيين يركزون دعوتهم في العوام.
وأيضًا لأن بعض تلك المسائل تعبدية قد لا تعرف الحكمة فيها، كأن يسأله عن متشابه القرآن
الحيلة الرابعة:
وهي التعليق: فتتم بعد طرح تلك المسائل، فإذا طلب المدعو الاستفسار عنها، وتعلق قلبه بها وبمعرفتها قالوا له: إننا لا نخبرك بشيء حتى تعطينا العهد والميثاق، فإذا رضي بذلك نقلوه إلى الحيلة الخامسة، وهي الربط.
الحيلة الخامسة:
وهي الربط: وهي إحكام قبضتهم عليه بما يؤخذ عليه من العهود والمواثيق الغليظة في عدم إفشائه سرًا من أسرارهم، وأنه إذا فعل ذلك فقد استوجب لعنة الله وغضبه، وأنه مخلد في النار أبد الآباد ... إلى آخر تلك الإيمان الطويلة التي لا يؤمنون بها هم.
فإذا كان المدعو ذكيًا موفقًا عرف أن هذه الأيمان كلها لا تطلب منه إلا لأن ما سيخبرونه به غير مرضي وليس فيه حق، لأن الحق لا يتكتم عليه أهله.
الحيلة السادسة:
وهي التأسيس: وهي إظهارهم تعظيم الشرع والرغبة في طلب العلم والمحافظة على أوامر الدين، وأن تلك العهود التي أعطاهم المدعو يجب احترامها، وهم في الواقع إنما يظهرون له هذه الأمور من أجل اصطياده، وإلا فهم لا يؤمنون بعهد ولا بميثاق.
ومنها اشتراطهم أخذ العلم عن الإمام المعصوم المستور الذي يزعمون أنه هو الطريق إلى علم النبي الناطق والوصي، وهو الأساس إلى علم الناطق، وزعمهم أنه مستور، لأنهم يعلمون أن لا وجود له، فلئلا يطالبهم المدعو بلقائه زعموا أنه مستور، وإنما هو دجل وتمويه وخداع للمدعو.
الحيلة السابعة:
التأسيس: وهي أنهم يضعون مقدمة لا تنكر في الظاهر، ولا تبطل الباطن، يستدرج فيها المدعو بحيث لا يدري، ويوهمونه أن الله تعالى جعل لكل شيء ظاهرًا وباطنًا، ويستدلون عليه بقوله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ} (59) ، ونصوص أخرى.
ثم يقال له: الظاهر قشور والباطن هو اللب، والظاهر رمز والباطن المعنى المقصود، ثم يؤسسون في نفسه الشغف لمعرفة البواطن والإعراض عن ظواهر النصوص .. لأنه وصل بزعمهم إلى مرتبة وهي طلب العلم الباطني.
الحيلة الثامنة:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)