فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 413

1704 - وقد يكون مسافرا من مسافة قريبة ولا يكون مسافرا من أبعد منها: مثل أن يركب فرسا سابقا ويسير مسافة بريد ثم يرجع من ساعته إلى بلده، فهذا ليس مسافرا. وإن قطع هذه المسافة في يوم وليلة، ويحتاج في ذلك إلى حمل زاد ومزاد كان مسافرا، كما كان سفر أهل مكة إلى عرفة. ولو ركب رجلا فرسا إلى عرفة ثم رجع من يومه إلى مكةلم يكن مسافرا. ومن قدره بثلاثة أيام أو يومين جعلوا ذلك بسير الإبل والأقدام، وجعلوا المسافة حدا يشترك فيه جميع الناس، حتى لو قطعها في يوم جعلوه مسافرا، ولو قطع ما دونها في عشرة أيام لم يجعلوه مسافرا، وهذا مخالف لكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ... والمسافر لا بد أن يسفر أي يخرج إلى الصحراء، فإن لفظ"السفر"يدل على ذلك. يقال: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من بين المساكن لا يكون مسافرا .... ولم يحد النبي - صلى الله عليه وسلم - قط السفر بمسافة لا بريد ولا غير بريد ولا حدها بزمان ... فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفرا، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرا. فالسفر يكون بالعمل الذي سمي سفرًا لأجله، والعمل لا يكون إلا في زمان، فإن أطال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر من الزاد والمزاد سمي مسافرا، وإن لم تكن المسافة بعيدة، وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم يسم مسافرًا، وإن بعدت المسافة، فالأصل هو العمل الذي يسمى سفرا، ولا يكون العمل إلا في زمان، فيعتبر العمل الذي هو سفر، ولا يكون ذلك إلا في مكان يسفر عن الأماكن، وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم، ليس له حد في الشرع ولا اللغة، بل ما سموه سفرًا فهو سفر ... والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمرا معلوما لا بشرع ولا لغة ولا عرف ... وأحمد لم يذكر دليلًا على وجوب الإتمام [لو نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام] ، إنما أخذ بالاحتياط وهذا لا يقتضي الوجوب.

1705 - وإذا كان إنما أسنده هؤلاء الضعفاء، والثقاة وقفوه على عائشة: دل ذلك على ضعف المسند ولم يكن ذلك شاهدا للمسند.

1706 - وإن كان البيهقي روى هذا فهذا مما أنكر عليه، ورآه أهل العلم لا يستوفي الآثار التي لمخالفيه كما يستوفي الآثار التي له، وإنه يحتج بآثار لو احتج بها مخالفوه لأظهر ضعفها وقدح فيها، وإنما أوقعه في هذا -مع علمه ودينه- ما أوقع أمثاله ممن يريد أن يجعل آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - موافقة لقول واحد من العلماء دون آخر. فمن سلك هذا السبيل دحضت حججه، وظهر عليه نوع من التعصب بغير الحق، كما يفعل ذلك من يجمع الآثار ويتأولها في كثير من المواضع بتأويلات يبين فسادها لتوافق القول الذي ينصره. كما يفعل صاحبشرح الآثار أبو جعفر، مع أنه يروي من الآثار أكثر مما يروي البيهقي، ولكن البيهقي ينقي الآثار ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت