فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 413

802 -ونحن إذا قلنا في الهَدْي والأُضْحية: يستحب أن يأكل ثلثًا ويتصدقبثلث، فإنما ذلك إذا لم يكن هناك سبب يوجب التفضيل، وإلا فلو قدر كثرة الفقراءلاستحببنا الصدقة بأكثر من الثلث، وكذلك إذا قدر كثرة من يهدى إليه على الفقراء، وكذلك الأكل، فحيث كان الأخذ بالحاجة أو المنفعة كان الاعتبار بالحاجة والمنفعةبحسب ما يقع، بخلاف المواريث فإنها قسمت بالأنساب التي لا يختلف فيها أهلها، فإناسم الابن يتناول الكبير والصغير والقوي والضعيف، ولم يكن الأخذ لا لحاجته ولالمنفعته، بل لمجرد نَسَبه؛ فلهذا سوى فيها بين الجنس الواحد. ... والواو تقتضى التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه فيالحكم المذكور، والمذكور أنه لا يستحق الصدقة إلا هؤلاء، فيشتركون في أنها حلاللهم، وليس إذا اشتركوا في الحكم المذكور ـ وهو مطلق الْحِل ـ يشتركون في التسوية، فإن اللفظ لا يدل على هذا بحال. ومثله يقال في كلام الوَاقِفِ والموصِي، وكان بعض الواقفين قد وقفعلى المدرس والمعيد والقَيِّم والفقهاء والمتفقهة، وجرى الكلام في ذلك فقلنا: يعطى بحسب المصلحة.

803 -وأما إن كان يعتقد أن الإجماع يدل على نص لم يبلغنا يكون ناسخًاللأول. فهذا وإن كان لم يقل قولًا سديدًا، فهو مجتهد في ذلك، يبين له فساد ماقاله ... يبين له أنه لمتجتمع الأمة على مخالفة نص إلا ومعها نص معلوم يعلمون أنه الناسخ للأول، فدعوىتعارض النص والإجماع باطلة، ويبين له أن مثل هذا لا يجوز؛ فإن النصوص معلومةمحفوظة، والأمة مأمورة بتتبعها واتباعها، وأما ثبوت الإجماع على خلافها بغير نص، فهذا لا يمكن العلم بأن كل واحد من علماء المسلمين خالف ذلك النص.

804 -والإجماع نوعان: قطعىي: فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعي على خلاف النص. وأما الظنى: فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي؛ بأن يستقرئ أقوالالعلماء فلا يجد في ذلك خلافًا، أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدًا أنكره، فهذا الإجماع ـ وإن جاز الاحتجاج به ـ فلا يجوز أن تدفع النصوص المعلومة به؛ لأنهذا حجة ظنية لا يجزم الإنسان بصحتها، فإنه لا يجزم بانتفاء المخالف، وحيث قطعبانتفاء المخالف فالإجماع قطعىي. وأما إذا كان يظن عدمه ولا يقطع به فهو حجة ظنية، والظني لا يدفع به النص المعلوم، لكن يحتج به ويقدم على ما هو دونه بالظن، ويقدمعليه الظن الذي هو أقوى منه، فمتى كان ظنه لدلالة النص أقوى من ظنه بثبوت الإجماعقدم دلالة النص، ومتى كان ظنه للإجماع أقوى قدم هذا، والمصيب في نفس الأمر واحد.

805 -ولكن من ثبت عنده نص ولم يعلم قائلًا به، وهو لا يدرى أجمع علىنقيضه، أم لا؟ فهو بمنزلة من رأي دليلًا عارضه آخر وهو بعد لم يعلم رجحان أحدهما، فهذا يقف إلى أن يتبين له رجحان هذا أو هذا، فلا يقول قولًا بلا علم، ولا يتبع نصامع ظن نسخه وعدم نسخه عنده سواء، لما عارضه عنده من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت