فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 413

يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِرَسُولًا"وكذلك النجاشي، هو وإن كان ملك النصارى، فلم يطعه قومه في الدخولفي الإسلام ... وكثير من شرائع الإسلام ـ أو أكثرها ـ لم يكن دخل فيها لعجزه عنذلك، فلم يهاجر، ولم يجاهد، ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس، ولايصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونهعليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم."

780 -ونحن نعلم قطعًا أنه [النجاشي] لم يكن يمكنه أن يحكم بينهمبحكم القرآن، والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكمبينهم إلا بما أنزل الله إليه، وحَذَّرَه أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه. وهذا مثل الحكم في الزنا للمُحْصِن بِحَدِّ الرجم، وفي الدياتبالعدل، والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع، النفس بالنفس والعين بالعين، وغيرذلك. والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا يُقِرُّونهعلى ذلك، وكثيرًا ما يتولي الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا ـ بل وإمامًا ـ وفينفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولايكلف الله نفسًا إلا وسعها. وعمر بن عبد العزيز عُودي وأوذي على بعض ما أقامهمن العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإنكانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمونبالأحكام التي يمكنهم الحكم بها.

781 -والصواب في هذا الباب كله: أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن منالعلم، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه، فقد ثبت في الصحيح أنمن الصحابة من أكلبعد طلوع الفجر في رمضان، حتى تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ولم يأمرهمالنبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، ومنهم من كان يمكث جُنُبًا مدة لا يصلي، ولم يكنيعلم جواز الصلاة بالتيمم كأبي ذر وعمر بن الخطاب وعمار لما أجنب، ولم يأمر النبيصلى الله عليه وسلم أحدًا منهم بالقضاء، ولا شك أن خَلْقًا من المسلمين بمكةوالبوادي صاروا يصلون إلى بيت المقدس، حتى بلغهم النسخ، ولم يؤمروا بالإعادة. ومثل هذا كثير.

782 -الأسماء التي علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة؛ منها ما يعرفحده ومسماه بالشرع، فقد بينه الله ورسوله؛ كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان والإسلام، والكفر والنفاق. ومنه ما يعرف حده باللغة؛ كالشمسوالقمر، والسماء والأرض، والبر والبحر. ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهمفيتنوع بحسب عادتهم؛ كاسم البيع والنكاح والقبض والدرهم والدينار، ونحو ذلك منالأسماء التي لم يَحُدُّها الشارع بحد، ولا لها حد واحد يشترك فيه جميع أهل اللغة، بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس. فما كان من النوع الأول فقد بينه الله ورسوله، وما كان من النوعالثاني والثالث فالصحابة والتابعون المخاطبون بالكتاب والسنة قد عرفوا المراد به؛ لمعرفتهم بمسماه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت