بعد فتح «مكة» بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرتب
أمورها، فعين لها واليًا من قبله، هو «عتاب بن أسيد» ، ومعلمًا
يعلم أهلها شرائع الإسلام هو «معاذ بن جبل» ، ولكن بعد أقل
من أسبوعين من ذلك الفتح العظيم وصلت إلى النبى - صلى الله
عليه وسلم - أخبار بأن قبائل «هوازن» و «ثقيف» قد جمعت
جموعها في وادى «حنين» بين «مكة» و «الطائف» لمحاربته؛
لظنهم أن ذلك الفتح وعلو شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
خطر عليهم، ولا شك أنهم كانوا في ذلك مخطئين، فالإسلام ليس
خطرًا عليهم ولا على غيرهم، بل هو رحمة وعدل وعزة وكرامة
لهم وللعرب وللعالم أجمع. أمر النبى - صلى الله عليه وسلم -
الجيش بالتأهب لمواجهتهم في أوائل شهر شوال سنة 8هـ، وكان
يضم اثنى عشر ألفًا بعد أن انضم إلى جيش الفتح ألفان من أهل
«مكة» ، واتجه به إلى وادى «حنين» ، ففاجأتهم جموع «هوازن»
و «ثقيف» من مكامنها في الأودية والجبال، وكادت تهزمهم، وفر
معظم المسلمين من هول المفاجأة، ولم يثبت مع النبى - صلى الله
عليه وسلم - إلا قلة قليلة من أهله وأصحابه، تقدر بنحو عشرة
رجال، وصاح النبى - صلى الله عليه وسلم - بالمسلمين «إلى أين
أيها الناس؟ إلىَّ أيها الناس، أنا النبى لا كذب أنا ابن
عبد المطلب»، وأمام ثبات النبى - صلى الله عليه وسلم - وشجاعته
عاد المسلمون وراءه، وتماسكوا من جديد، وحملوا على عدوهم
حملة صادقة، فهزموهم هزيمة شديدة، وقتلوا منهم عددًا كبيرًا،
وأسروا كذلك نحوًا من ستة آلاف، وغنموا غنائم كثيرة.