فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 319

وملك بلهيت وقد غلب على أهل المملكة هذا الدين، وكان له عقل ومعرفة، فلما رأى ما عليه أهل مملكته ساءه ذلك، وبلغ منه، ثم سأل: هل بقي رجل على دين البرهمية؟ فدل على رجل له عقل ودين، فأرسل إليه، فلما أتاه أكرمه، ورفع درجته، ثم ذكر له ما قد فشا في أهل مملكته، فقال: أيها الملك! أنا أقيم برهانًا اضطر به، ويعرف به فضل الحازم، وموضع تقصير العاجز، واجعلها صورة بين اثنين ليبين فضل الحازم على العاجز، والمجتهد على المقصر، والمحتاط على المضيع، والعالم على الجاهل، فوضع الشطرنج، وتفسيرها بالفارسية هشت رنج، وهشت ثمانية، ورنج صفح، وصيرها ثمانية في ثمانية، فصارت أربعة وستين بيتًا، وصيرها اثنين وثلاثين كلبًا، مقسومة بين لونين، كل لون ستة عشر كلبًا، وقسم الستة عشر على ست صور فالشاة صورة، والفرز صورة والفيلان صورة، والرخان صورة، والفرسان صورة، والبيادق صورة، فاشتق ذلك من زوج الزوج، وهو أحسن ما يكون من الحساب لأن الأربعة والستين، إذا قسمتها، كان لها نصف، وهو اثنان وثلاثون، وهي عدة جميع الكلاب، وإذا نصفت الاثنين والثلاثين كان لها نصف، وهو ستة عشر، وهو ما لكل واحد من الكلاب، وإذا نصفت الستة عشر كان لها نصف، وهو ثمانية، وهي عدة بيادق كل واحد، فإذا نصفت الثمانية كان لها نصف، وهو أربعة، وهو الرخان والفرسان من كل واحد فإذا نصفت الأربعة كان لها نصف، وهو اثنان، فقد انقسمت أزواجًا ولم يبق في القسم بعد الأزواج إلا الواحد الذي يقسمها كلها آحادًا، وهو ليس بعدد، ولا معدود، ولا زوج، ولا فرد، لأن أول أعداد الفرد ثلاثة.

ثم قال الحكيم: ليس شيء أجل من الحرب، لأنه يبين فيها فضل التدبير، وفضل الرأي، وفضل الحزم، وفضل الاحتياط، وفضل التعبية، وفضل المكيدة، وفضل الاحتراس، وفضل النجدة، وفضل البأس، وفضل القوة، وفضل الجلد، وفضل الشجاعة، فمن عدم منه شيء من هذا عرف موضع تقصيره لأن خطأها لا يستقال، والعجز فيها متلف للمهج، والجهل مبيح للحمى، وترك الحزم ذهاب الملك، وضعف الرأي جلب للعطب، والتقصير سبب الهزيمة، وقلة العلم بالتعبية داعية الانكشاف، وقلة المعرفة بالمكيدة تهور إلى الهلكة، وترك الاحتراس نهزه للعدو، وجعلها على مثال الحرب، فإن أصاب ظفر وإن أخطأ هلك.

فلما رأى الملك صحة البرهان، وتبين فضل حكمة الحكيم، وعلم أن قد أصاب وأحسن التمثيل، وأبان عما قد عمي عنه، جمع أهل مملكته، فعرفهم ما كشف الله عنهم من الغم، وأمرهم أن يقيموها ويتأملوها، وقال لهم، قد علمنا أن ليس في العالم حي ناطق، مفكر، ضاحك عاقل إلا الإنسان، فالإنسان عليه مدار جميع ما في العالم، لأن الفلك بجميع ما فيه خلقه الخالق للإنسان ليعرف به ما يحتاج إليه من زمانه وأوقاته، وكذلك ذلل له جميع ما في الأرض، وكل ما خلق الله مما في قعر البحر، وجو السماء ورؤوس الجبال فلما ملك الإنسان جميع ما خلق قسم ذلك الإنسان ثلاثة أقسام فأكل ثلاثًا، وسخر ثلاثًا، وقتل ثلاثًا: فأكل الطير والسمك وما شاء من النعم والإبل، وسخر البقر والحمير والدواب، وقتل السباع والحيات والهوام، ثم جعل فيه آلات يعلم بها، ويعقل بها، ويدرك بها، ويفهم، ففضل الناس بعضهم بعضا بالعلم والعقل والفهم.

وقد زعم علماء من علماء الهند أنه لما ملكت حوسر بنت بلهيت خرج عليها خارجي، وكانت جارية عاقلة، فوجهت ابنًا لها، وكان لها أربعة أولاد، فقتل ذلك الخارجي ابنها، فعظم ذلك أهل مملكتها، وأشفقوا من أخبارها، فاجتمعوا على حكيم من حكمائهم يقال له قفلان، وكان ذا حكمة وفطنة ورأي، فذكروا ذلك له، فقال: أنظروني ثلاثًا! ففعلوا ذلك، وخلًا مفكرًا، ثم قال لتلميذ له، أحضرني نجارًا وخشبًا من لونين مختلفين، أبيض وأسود، فأحضره نجارًا فارها، وخشبًا من لونين مختلفين، أبيض وأسود، فصور صورة الشطرنج، وأمر النجار، فنجرها، ثم قال له: أحضرني جلدًا مدبوغًا! فأمره أن يخط فيه أربعة وستين بيتًا، ففعل ذلك، فنصب ناحية، ثم تجاولا حتى فهماها وأحكماها، ثم قال لتلميذه: هذه حرب بلا ذهاب أنفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت