وكان شمعان الصفا يمشي خلفه، فدخل مع الأعوان، فقيل له: أنت من تلاميذ هذا الناصري؟ قال: لا! ولما أدخل المسيح على رئيس اليهود جعل يكلمه، والمسيح يجيبه بما لا يفهمه، فضربه بعض الشرط على فكيه، ثم أخرجوا المسيح من عند قيافا إلى فرطورين، فقال له: أنت ملك اليهود؟ فقال له المسيح: أمن نفسك قلت هذا أم أخبرك آخرون عني؟ وجعل يكلمه، ويقول: إن ملكي ليس من هذا العالم.
ثم إن الشرط أخذوا إكليلًا من أرجوان، فوضعوه على رأسه، وجعلوا يضربونه، ثم أخرجوه وعليه ذلك الإكليل، فقال له رؤساء الكهنة: أصلبه! فقال لهم فيلاطوس: خذوه أنتم فاصلبوه، فأما أنا، فلم أجد عليه علة! فقالوا: قد وجب عليه الصلب والقتل من أجل أنه قال: إنه ابن الله، ثم أخرجه، فقال لهم: خذوه أنتم فاصلبوه! فأخذوا المسيح، وأخرجوه، وحملوه الخشبة التي صلبوه عليها.
هذا في إنجيل يوحنا، فأما متى ومرقس ولوقا فيقولون: وضعوا الخشبة التي صلب عليها المسيح على عنق رجل قرنانى، وصاروا به إلى موضع يدعى الجمجمة، ويسمى بالعبرانية ايماخاله، وهو الموضع الذي صلب فيه، وصلب معه اثنان آخران: واحد من هذا الجانب، والآخر من هذا الجانب، وكتب فيلاطوس في لوح: هذا إيسوع الناصري، ملك اليهود، فقال له رؤساء الكهنة: اكتب الذي قال إنه ملك اليهود! فقال لهم: ما كتبت، وقد كتبت.
ثم إن الشرط اقتسموا ثياب المسيح، وكانت أمه مريم، ومريم بنت قلوفا، ومريم المجدلانية قياما ينظرن إليه، فكلم أمه من فوق الخشبة.
وجعل أولئك الشرط يأخذون إسفنجة فيها خل يقربونها إلى أنفه، فيتكرهها، ثم أسلم روحه، فجاءوا إلى ذينك المصلوبين معه، وكسروا سوقهما، وأخذ واحد من الشرط حربة، فطعنه في جنبه، فخرج دم وماء، ثم كلم فيه أحد التلاميذ لفيلاطوس، حتى أنزله، وأخذ حنوطًا من مر وصبر، ولفه في ثياب كتان وطيب، فكان في ذلك الموضع جنان، وفيه قبر جديد، فوضعوا المسيح فيه، وكان ذلك يوم الجمعة.
فلما كان يوم الأحد، فيما يقول النصارى، بكرت مريم المجدلانية إلى القبر، فلم تجده، فجاءت شمعان الصفا وأصحابه، فأخبرتهم أنه ليس في القبر، فمضوا فلم يجدوه، وجاءت مريم ثانية إلى القبر، فرأت في القبر رجلين عليهما ثياب بياض، فقالا لها: لا تبكي! ثم التفتت خلفها، فرأت المسيح، وكلمها وقال لها: لا تدنين إلي لأني لم أصعد إلى أبي، ولكن انطلقي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم، وإنه لما كان عشية الأحد جاءهم وقال لهم: السلام معكم! كما أرسلني أبي كذلك أرسلكم، وإن غفرتم ذنوب أحد، فهي مغفورة، فقالوا: هذا الذي يكلمنا روح وخيال، قال لهم: انظروا إلى آثار المسامير بإصبعي وإلى جانبي الأيمن، ثم قال لهم: طوبى للذين لم يروني وصدقوا بي.
وجاءوه بقطعة سمك، فأكل، وقال لهم: إن أنتم صدقتم بي، وفعلتم فعلي، يحق ألا تضعوا أيديكم على مريض إلا برىء، ولا يضره الموت، ثم ارتفع عنهم، وكان له ثلاث وثلاثون سنة.
هذا ما يقول أصحاب الإنجيل وهم يختلفون في كل المعاني، قال الله، عز وجل، ما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا إتباع الظن، وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه.
ولما رفع عيسى المسيح اجتمع الحواريون إلى أورشليم، في جبل طور الزيتون، وصاروا إلى عليه كان فيها بطرس، ويعقوب، ويوحنا، وأندراوس، وفيلبس، وتوما، وبرتلموس، ومتاوس، ويعقوب فقام شمعان على الحجر، فقال: يا معشر الإخوة! قد كان ينبغي أن يتم الكتاب الذي سبق فيه روح القدس، وأرادوا أن يجعلوا رجلًا يتم به الاثنا عشر، فقدموا متى وبرسبا، وقالوا: اللهم أظهر لنا من نختاره! فوقع على متى، فأصابتهم ريح شديدة، امتلأت الغرفة التي كانوا فيها، ورأوا مثل لسان النار، فتكلموا بالسن شتى، ثم قالوا لبطرس: ما ذا تصنع؟ فقال لهم بطرس: قوموا واعمدوا كل إنسان منكم باسم المسيح، وتنحوا عن هذه القبيلة المعوجة.