وخوف يوسف خالدًا وعماله، ووظف عليهم الأموال، وعذبهم حتى مات أكثرهم في يده: فوظف على أبان بن الوليد البجلي عشرة آلاف ألف، ووظف على طارق بن أبي زياد عامل فارس عشرين ألف ألف، ووظف على الزبير عامل أصبهان والري وقومس عشرين ألف ألف درهم، وعلى غيرهم ما دون ذلك، فاستخرج أكثر المال.
وكان بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عامل خالد على البصرة، فهرب من سجن يوسف، فلحق بهشام، فكتب فيه يوسف إلى هشام فأشخصه إليه، فعذبه حتى قتله، وجعل داره بالكوفة سجنا واستصفى داره بالبصرة. ولما بلغ الحكم بن عوانة عامل السند ما فعل يوسف بعمال خالد أوغل في بلاد العدو، وقال: إما فتح يرضى به يوسف، وإما شهادة أستريح بها منه، فلقي العدو، فلم يزل يقاتل حتى قتل، وقد كان استخلف على الخيل عمرو ابن محمد بن القاسم الثقفي.
ولما قتل الحكم بن عوانة بأرض السند تنازع خلافته عمرو بن محمد الثقفي وابن عرار، فكتب إلى يوسف بن عمر، وكتب بذلك إلى هشام، فكتب إليه هشام: إن كان عمرو بن محمد قد اكتهل فوله فمال يوسف بالثقفية إلى عمرو، فولاه، وأرسل بعهده إليه، فأخذ ابن عرار، فحبسه وقيده. وبني عمرو بن محمد بن القاسم مدينة دون البحيرة سماها المنصورة، ونزلها في منزل الولاة. وكلب العدو، وملكوا ملكًا، ثم زحفوا إلى المنصورة فحصروها، فكتب عمرو إلى يوسف، فوجه إليه بأربعة آلاف، فانصرف عنه الملك، وقوض أمره، فتجهز للعدو وجعل على مقدمته معن بن زائدة الشيباني، وكبس عسكر ذلك الملك ليلًا، وصبر أصحابه، فقتل من العدو خلقًا عظيمًا. وأشرف ذلك الملك، فمر به قوم من أصحابه ولم يعرفه المسلمون، فلما رأوه قالوا: الراه الراه، أي الملك، فاستنقذوه، ومر هاربا هو وأصحابه لا يلوي على شيء، واستقامت البلاد لعمرو، وكان معه في عسكره مروان بن يزيد ابن المهلب، فوثب في جماعة من القواد مايلوه على ذلك، حتى انتهب متاعه وأخذ دوابه، فخرج إليه عمرو ومعه معن بن زائدة وعطية بن عبد الرحمن، فهزمه، وفرق أصحابه، وهرب مروان، فنادى عمرو: الناس كلهم آمنون إلا ابن المهلب، فدل عليه فقتله. وأقدم هشام زيد بن علي بن الحسين، فقال له: إن يوسف بن عمر الثقفي كتب يذكر أن خالد بن عبد الله القسري ذكر له أن عندك ستمائة ألف درهم وديعة، فقال: ما لخالد عندي شيء! قال: فلا بد من أن تشخص إلى يوسف ابن عمر حتى يجمع بينك وبين خالد. قال: لا توجه بي إلى عبد ثقيف يتلاعب بي، فقال: لا بد من إشخاصك إليه، فكلمه زيد بكلام كثير، فقال له هشام: لقد بلغني أنك تؤهل نفسك للخلافة، وأنت ابن أمه. قال: ويلك! مكان أمي يضعني؟ والله لقد كان إسحاق ابن حرة وإسماعيل ابن أمه، فاختص الله عز وجل ولد إسماعيل، فجعل منهم العرب، فما زال ذلك ينمي حتى كان منهم رسول الله، ثم قال: اتق الله، يا هشام! فقال: أومثلك يأمرني بتقوى الله؟ فقال: نعم! إنه ليس أحد دون أن يأمر بها، ولا أحد فوق أن يسمعها.
فأخرجه مع رسل من قبله، فلما خرج قال: والله إني لأعلم أنه ما أحب الحياة قط أحد إلا ذل. وكتب هشام إلى يوسف بن عمر: إذا قدم عليك زيد بن علي فاجمع بينه وبين خالد، ولا يقيمن قبلك ساعة واحدة، فإني رأيته رجلًا حلو اللسان شديد البيان خليقا بتمويه الكلام، وأهل العراق أسرع شيء إلى مثله.
فلما قدم زيد الكوفة دخل إلى يوسف فقال: لم أشخصتني من عند أمير المؤمنين؟ قال: ذكر خالد بن عبد الله أن له عندك ستمائة ألف درهم. قال: فأحضر خالدًا! فأحضره وعليه حديد ثقيل، فقال له يوسف: هذا زيد ابن علي، فأذكر ما لك عنده! فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما لي عنده قليل ولا كثير، ولا أردتم بإحضاره إلا ظلمه. فأقبل يوسف على زيد، وقال له: إن أمير المؤمنين أمرني أن أخرجك من الكوفة ساعة قدومك. قال: فأستريح ثلاثا، ثم أخرج. قال: ما إلى ذلك سبيل. قال: فيومي هذا. قال: ولا ساعة واحدة. فأخرجه مع رسل من قبله، فتمثل عند خروجه بهذه الأبيات:
منخرق الخفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
شرده الخوف وأزرى به ... كذلك من يكره حر الجلاد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد