ثم ملك احاز ابنه، فكفر، فعبد الأصنام فسلط الله عليه تغلتفلسر ملك بابل، فسباه، واستعبده، وضرب عليه الجزية، وأخرب مدينة العشرة الأسباط بفلسطين، وهي سبسطية، وسبى أهلها، فدخل بهم إلى أرض بابل، ثم أرسل إلى المدينة قومًا من قبله، فعمروها وبنوها، فهم الذين يدعون السامرة بفلسطين والأردن، فلما سكنوها سلط الله عليهم الأسد، ثم بعث إليهم رجلًا من أحبار بني إسرائيل، من ولد هارون، يعلمهم دين بني إسرائيل، فلما دخلوا في دينهم تركهم الأسد، وصاروا سامرة فقالوا: لا نؤمن بنبي إلا بموسى، ولا نعرف إلا ما في التوراة، وجحدوا نبوة داود، وأنكروا البعث والنشور، وامتنعوا من مجالسة الناس والاختلاط بهم، ومن تناول شيء منهم، ومن حمل الموتى، ومن حمل ميتًا اعتزل سبعة أيام، يعتزل في الصحراء لا يختلط بهم، ثم يغتسل، وكذلك من تناول شيئًا لا يحل له، ولا يؤوون الحائض منازلهم، وجعلوا رئيسهم من ولد هارون يسمونه الرئيس، ويتوارثون على التوراة، فليس هم في بقعة من بقاع الأرض إلا بجند فلسطين، وكان ملك احاز ست عشرة سنة.
ثم ملك بعد احاز حزقيل ابنه، فأحسن عبادة الله تعالى، وكسر الأصنام، وهدم بيوتها، وكان في زمانه سنحاريب بن سراطم ملك بابل، فسار إلى بيت المقدس، فسبى بقية الأسباط، فرشاه حزقيل بثلاثمائة قنطار فضة، وثلاثين قنطار ذهب، على أن ينصرف، فأخذها، ثم غدر، فلما فعل ذلك دعا الله أشعيا النبي وحزقيل على سنحاريب، فأجاب الله دعاءهما، فسلط الله على أصحاب سنحاريب القتل، فقتل منهم في ساعة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانين ألفًا، فرجع سنحاريب مهزومًا، حتى صار إلى بابل، وقتله ولده شر قتله. وأمر الله سبحانه أشعيا النبي أن يعلم حزقيل أنه ميت، فليوص، فلما أعلمه الله ذلك دعا الله أن يزيد في حياته، حتى يهب له ولدا يملك بعده، فزاد الله في حياته خمس عشرة سنة، حتى ولد له ولد.
وفي أيام حزقيل رجعت الشمس نحو مطلعها خمس درجات، وكان ملك حزقيل سبعًا وعشرين سنة.
ثم ملك بعد حزقيل منشا بن حزقيل، فكفرت بنو إسرائيل في أيامه، وكفر، وعبد الأصنام، و كان شر ملك في بني إسرائيل، وبنى للأصنام مسجدًا، واتخذ صنمًا له أربعة أوجه، فنهاه أشعيا، فأمر به فنشر بالمنشار من رأسه إلى رجليه، فسلط الله على منشا قسطنطين ملك الروم، فحاربه، وأسره، فأقام في الأسر، زمانًا ثم تاب إلى ربه، فرده الله إلى ملكه، فكسر الصنم، وهدم بيوت الأصنام، وكان ملكه خمسًا وخمسين سنة، وأيام أسره عشرين سنة.
ثم ملك أمون بن منشا، فأعاد الأصنام حتى كثرت، وكان ملكه ست عشرة سنة.
ثم ملك بعده يوشيا ابنه، فأحسن عبادة الله، وكسر الأصنام، وهدم بيوتها، وقتل سدنتها، وأحرقهم، وكان في العدل وحسن عبادة الله تعالى وجميل مذهبه يشبه داود وسليمان، وكان ملكه ثلاثين سنة.
ثم ملك يهواخز ابنه ثلاثة أشهر، ثم أسره فرعون الأعرج ملك مصر، ووضع على بلاده الخراج، وصير عليها ملكًا من قبله، وأخذ يهواخز، فذهب به إلى مصر فمات هناك.
ثم ملك بعده يويقيم أخوه، وهو أبو دانيال النبي، وفي عصره سار بخت نصر ملك بابل إلى بيت المقدس، فقتل في بني إسرائيل، وسباهم، وحملهم إلى أرض بابل، ثم صار إلى أرض مصر، فقتل فرعون الأعرج ملكها. وأخذ بخت نصر التوراة، وما كان في الهيكل من كتب الأنبياء، فصيرها في بئر وطرح عليها النار، وكبسها، وكان في ذلك العصر إرميا النبي، فلما علم بقدوم بخت نصر، أخذ تابوت السكينة، فخبأه في مغارة حيث لم يعلم به أحد، ولم ينج من بخت نصر إلا إرميا.
وكان عدة من حمل بخت نصر إلى أرض بابل ثمانية عشر ألفًا، فيهم ألف نبي، وملكهم يحنيا بن يهوياقيم، فمنهم اليهود الذين بالعراق، ويقال إن إرميا النبي قال: اللهم! إني لأعلم من عدلك ما لا يعلمه غيري، فعلام سلطت بخت نصر على بني إسرائيل؟ فأوحى الله إليه: أني إنما أنتقم من عبادي، إذا عصوني، بشرار خلقي.