فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 319

وخرج عمر إلى مكة سنة سبع عشر، فاعتمر عمرة رجب، ووسع المقام، وباعده من البيت، ووسع الحجر، وبنى المسجد الحرام، ووسع فيه، واشترى من قوم منازلهم، وامتنع آخرون، فهدم عليهم ووضع أثمان منازلهم في بيت المال. وكان فيما هدم بيت العباس بن عبد المطلب، فقال له: تهدم داري؟ قال: لأوسع بها في المسجد الحرام! فقال العباس: سمعت رسول الله يقول: إن الله أمر داود أن يبني له بيتا بإيلياء فبناه ببيت المقدس، وكان كلما ارتفع البناء سقط فقال داود: يا رب إنك أمرتني أن أبني لك بيتا، وإني كلما بنيت سقط البناء، فأوحى الله إليه: أني لا أقبل إلا الطيب، وإنك بنيت لي في غصب، فنظر داود فإذا قطعة أرض لم يكن شراها، فابتاعها من صاحبها بحكمة، ثم بنى فتم البناء. قال: ومن يشهد أنه سمع هذا من رسول الله؟ فقام قوم فشهدوا. قال: فتحكم إلينا يا أبا الفضل، وإلا أمسكنا؟ قال: فإني قد تركتها لله. وانصرف عمر بعد عشرين يومًا، وكان العباس يسايره، وتحت العباس دابة مصعب، فتقدمه عمر ثم وقف له حتى لحقه فقال له: تقدمتك، وما لأحد أن يتقدمكم معشر بني هاشم قوم... فيكم ضعف. قال: رآنا الله نقوى على النبوة، ونضعف على الخلافة.

ثم خرج يريد الشام حتى بلغ إلى سرغ، فبلغه أن الطاعون قد كثر، فرجع، فلقيه أمراء الشام، وكلمه أبو عبيدة بن الجراح أشد كلام، وقال: أفرار من قدر الله تعالى؟ قال عمر: نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله. وفي هذه السنة خطب عمر إلى علي بن أبي طالب أم كلثوم بنت علي، وأمها فاطمة بنت رسول الله، فقال علي: أنها صغيرة! فقال: إني لم أرد حيث ذهبت. لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري، فأردت أن يكون لي سبب وصهر برسول الله. فتزوجها، وأمهرها عشرة آلاف دينار. وفي هذه السنة نزل المسلمون الكوفة، واختطوا بها الخطط، وبنوا المنازل. وقيل كان ذلك في أول سنة ثمان عشر، ونزلها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلًا. وأصاب الناس جدب وقحط ومجاعة شديدة في عام الرمادة، وهي سنة ثمان عشر، فخرج عمر يستسقي، وأخرج الناس، وأخذ بيد العباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك! اللهم فلا تخيب ظنهم في رسولك، فاسقوا. وأجرى عمر الأقوات في تلك السنة على عيالات قوم من المسلمين، وأمر أن تكون نفقات أولاد اللقط ورضاعهم من بيت المال.

وفي هذه السنة سمي عمر أمير المؤمنين، وكان يسمى خليفة خليفة رسول الله، وكتب إليه أبو موسى الأشعري: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، وجرت عليه، وقيل إن المغيرة بن شعبة دخل عليه فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لتحرجن مما قلت. فقال: ألسنا مسلمين ؟ قال: بلى! قال: وأنت أميرنا؟ قال: اللهم نعم.

وكان أبو عبيدة بن الجراح قد وجه عياض بن غنم الفهري إلى الجزيرة، فلم يزل يحاصر عليهم ثم افتتح الرقة، وسروج، والرها، ونصيبين، وسائر مدن الجزيرة، وكانت صلحًا كلها، ووضع عليها الخراج على الأرضين ورقاب الرجال. على كل إنسان أربعة وخمسة دنانير وستة في سنة ثمان عشر، فانصرف إلى أبي عبيدة.

وكثر الطاعون بالشام، وكان طاعون عمواس، فمات أبو عبيدة بن الجراح، واستخلف عياض بن غنم على حمص، وما والاها من قنسرين، ومعاذ بن جبل على الأردن، ولم يلبث معاذ بن جبل إلا أيامًا حتى توفي، ومات يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة، فأقر عمر معاوية على عمل يزيد، ومات في تلك السنة في طاعون عمواس خمسة وعشرون ألفًا سوى من لم يحصر منهم، وغلا السعر، واحتكر الناس، فنهى عمر عن الاحتكار.

وفيها توفي الفضل بن العباس بن عبد المطلب بفلسطين، وكانت فلسطين قد افتتحت خلا قيسارية، وكان معاوية بن أبي سفيان مقيما عليها، فافتتحها سنة ثمان عشر، وقيل كان بها ثمانون ألف مقاتل، وبعث رجلين من جذام إلى عمر بالبشارة، ثم أردفهما برجل من خثعم يقال له: زهير، وقال له: إن قدرت أن تسبق الجذاميين فافعل، فمر بهما الخثعمي، وهما نائمان، فجازهما، وقدم المدينة ليلًا، فأتى عمر فأخبره، فكبر وحمد الله، ثم خرج إلى المسجد، وأمر بنار، فأتي بها، فحمد الله، وأعلمهم بفتح قيسارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت