فلم تزل هذه المكانة في ازدياد وارتفاع، حتَّى أذن له شيخه أبو القاسم النُّويري بالتَّدريس في المتون والعلوم الَّتي أخذها عنه، سنة أربع وأربعين، أي وهو ابن اثنتين وعشرين سنة. [1]
واستمرَّ الكمال ابن أبي شريف في جدٍّ واجتهاد واشتغال، إلى أن برع وتميَّز، وأشير إليه في حياة شيخه الزَّيني ماهر، وكان يرشد الطَّلبة للقراءة عليه حين ترك هو الإقراء، وكذلك المستفتين. [2]
وقد جلس الكمال ابن أبي شريف للتَّدريس بالفعل، سنة ستٍّ وأربعين، أي وهو ابن أربع وعشرين سنةً. [3]
قال العليمي واصفًا شيخه: (( ولم يزل حاله في ازدياد وعلمه في اجتهاد، فصار نادرة وقته وأعجوبة زمانه، إمامًا في العلوم محقِّقًا لما ينقله، وصار قدوة بيت المقدس ومفتيه وعين أعيان المعيدين بالمدرسة الصَّلاحية. ) ) [4]
وممَّا يوضِّح لنا مكانته العلمية والاجتماعية، أنَّه لمَّا قدم على الملك الأشرف قايتباي حين ولاَّه مشيخة المدرسة الصَّلاحية، أكرمه وعظَّمه جدًّا.
فلندع العليمي -وهو شاهد القصَّة عن حضور- يحكي لنا ذلك، قال: (( فإنَّهم -يعني الكمال ابن أبي شريف والقاضي شهاب الدِّين ابن عتبة والقاضي خير الدِّين الحنفي- لمَّا أقبلوا على السُّلطان من باب الحوش، ووصلوا إلى قريب من سرير الملك، نزل السُّلطان عن السَّرير، فانتصب قائمًا، وسلَّم عليهم، ثُمَّ أمرهم القاضي زين الدِّين بن مزهر كاتب السِّر بالخروج من الحلقة
(1) انظر: الكواكب السَّائرة 1/ 11.
(2) انظر: الأنس الجليل 2/ 378، والكواكب السَّائرة 1/ 12.
(3) انظر: الأنس الجليل 2/ 378.
(4) الأنس الجليل 2/ 379.