فهذه النار التي يستعيذ منها كل من آمن بها, لما حفت بالشهوات اختبارا و ابتلاء, رضي كثير من الناس أن يكونوا من أهلها ووقودا لها - أعاذنا الله منها - و قد أدركت شياطين الجن والإنس أثر الشهوات في الصد عن سبيل الله, فعملوا على إشاعتها بكل أشكالها الواردة في السؤال و غيرها من فنون الغواية. و لم يألوا جهدا في تطوير أساليب الجذب والإثارة, ولهذا نرى أن كثيرا من الأنظمة - بعد فشل سياسة البطش - لجأوا إلى تجييش فيالق الإغراء والاستخفاف. فكفاهم ذلك مؤنة الإبادات الجماعية, وحرج الحملات الإعلامية. واستبدلوا سنوات الرصاص بسنوات المهرجانات.
ولتقريب المؤامرة إلى أذهان الناس نضرب لذلك أمثلة توضح مدى أثر الشهوات في الصد عن سبيل الله واستعباد البشر, فالخمر والمخدرات مثلا: من يصل إلى درك إدمانها يصير منقادا بكليته لها, لا يستطيع الفكاك من سلطانها و سلطان أباطرتها و يضحي بكل شيء من أجل تأمين الجرعة التي يريدها ويسلم رقبته خاضعا لمن يملك ذلك. قال - صلى الله عليه وسلم: [مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد الوثن] [1] . وهذا أبلغ تشبيه و أرهب وصف لبيان مصير المدمن لهذه المحرمات إن لم تتداركه رحمة ربه و يتوب قبل لقائه. و قال - صلى الله عليه وسلم: [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن] [2] . قال ابن حجر في الفتح: (قيد نفي الإيمان بحالة ارتكابه لها ومقتضاه أنه لا يستمر بعد فراغه وهذا هو الظاهر) [3] , وهذا هو معتقد أهل السنة قاطبة أن الكبائر بغير استحلال لا تخرج صاحبها من دائرة الإسلام. لكن تبقى لهذه الأحاديث دلالتها الرهيبة على عظم هذه الموبقات والتي قد يصل الحال بتكرارها وإدمانها إلى حالة يعم فيها الران على القلب فيصير صاحبه كمن قال الله - سبحانه وتعالى - فيه: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} [4] , فهي حالة لا يعود فيها للحق مكان في قلبه, ولا يقوى على الإنصات للحق, وقد يصل إلى حد الاستخفاف به والصد عنه ومحاربته, وهو واقع غالبيتهم, فينضموا إلى جيوش الغواية ثم المصير المشؤوم, {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا} [5] .
فماذا عن أرباب الهوى وحماة الضلالة ومروجي الغواية, بالتشريع من دون الله وحماية مرافق العهر والمجون, ومقاضاة من خالف القانون اللعين المضاهي لشرع رب العالمين؟ فهؤلاء أوتوا من باب الحرص على السيادة والثراء, فكان لابد من استخفاف أقوامهم ليتم لهم الثراء والبقاء. فأعمى ذلك أبصارهم وتنكروا لشريعة ربهم وبذلوا جهدهم بالمكر والكيد وتحالفوا لقضاء مآربهم مع قوى التغريب المحلية والخارجية عسى أن يفلحوا في إلجام الشعب لجام الشهوات فيسهل قيادهم واستعبادهم. قال - صلى الله عليه وسلم: [ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه] [6] . فحب المال و الرياسة أفسد لدين المرء من الذئاب الضارية الجائعة الفاتكة بقطيع من الغنم, فما عساها أن تُبقي؟ بل وصل الحال بالحكومات الجاثمة على بلاد الإسلام, إلى فرض هذه الإباحية وترخيص كل مجالاتها من دعارة وسياحة جنسية وجمعيات الشذوذ. وكذا زراعة المخدرات وترويجها, وإنتاج الخمور وتسويقها وتصديرها ... الخ. وتغليف ذلك بترسانة من القوانين الوضعية, والتي لا تعني إلا تجريم بعض الوجوه أو بعض الصور التي تشوش على الخطة, ولا تخل بأصل الاستحلال. وكل هذا كفر بواح صراح كما أجمع على ذلك علماء الأمة قاطبة. وكل ما ذكر هو أبلغ صور الاستحلال كما قرر ذلك علماؤنا عليهم رحمة الله. و المراد من هذا ضمان الطاعة العمياء والثراء والبقاء. ... قال - سبحانه وتعالى:
(1) أحمد
(2) متفق عليه
(3) فتح الباري لابن حجر [19/ 180]
(4) الفرقان [43]
(5) مريم [60]
(6) سنن الترمذي [8/ 381] و قال حسن صحيح