الناس لم يكن لهم تشريع يحكمهم, ولا دولة تنظم معاملاتهم وترعى شؤونهم وحقوقهم وحرياتهم, فلما احتاجوا لذلك قامت السلطة التي تحكمهم وتنظم شؤونهم. فهذه النظرية إما أنها تصورت الناس وكأنهم وُجدوا من غير خالق, وإما أنهم وجدوا بفعل خالق ما أنزل الكتب ولا أرسل الرسل ولا بيّن الشرائع. وهذه المنطلقات كافية للدلالة على أن هذه النظرية تصور كفري إلحادي. و يكفي أن نعلم أن"جان جاك روسو"وهو أشهر من تنسب إليه"نظرية العقد الاجتماعي"هذه - حتى عُدّت نظريته بمثابة إنجيل الثورة الفرنسية العلمانية - هو أحد أقطاب المفكرين اللادينيين في عصره.
أما الركن الثاني الذي يتعلق بتقرير الحقوق والحريات وضمانها, فهو قائم على نظرية:"القانون الطبيعي"وتقول هذه النظرية: أن للإنسان حقوقا يكتسبها بمجرد الميلاد, وأن الإنسان كان يتمتع بها قبل إنشاء النظم السياسية وقيام الدول, بل إن الدول ما قامت إلا لحماية هذه الحقوق, ومن ثم كان على الدولة أن تحترم هذه الحقوق, وأن لا تصدر أي قانون من شأنه المساس بها أو عرقلة الاستمتاع بها, ومصدر القانون الطبيعي هذا إنما هو الطبيعة.
فالطبيعة في هذه النظرية مصدر الحقوق والحريات. وإذا اتضحت هذه الأصول التي ترتكز عليها هذه الحقوق والحريات في النظام الديمقراطي, تبين لنا لماذا ترتبت عليها تلك الآثار والنتائج المدمرة, التي يصر المدافعون عن الديمقراطية على إخفائها. فالتعليم مثلا في النظام الديمقراطي معناه: أن للإنسان أن يتعلم الكفر والإلحاد والمذاهب الضالة ويعتقد ما شاء منها, ومن ثم له أن يدعو لها وأن يُعلِّمها ويحسنها لغيره. وله في مجال الاعتقاد, أن ينتحل كل يوم دينا أو فلسفة ما, دون قيد أو محاسبة. ولا يحولون سوى بين المسلم وشريعة ربه, إلا في حدود ما يكنه ضميره, وبعض الشعائر التعبدية بقيود وشروط تُفقدها كثيرا من خصائصها. أما المجال الأخلاقي فحدث ولا حرج عن الانحلال والشذوذ والإباحية وكل ذلك حقوقا محفوظة ومصونة, وقس على ذلك باقي المجالات.