فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 119

ما تشاء وتحرم ما تشاء. فأول المصادر الرسمية للقانون في هذه الدساتير هو التشريع الوضعي والعرف وغيرهما أما مبادئ الشريعة الإسلامية أو أحكام الشريعة الإسلامية تعتبر مصادر ثانوية احتياطية, ولا يعدو تعليق اللجوء في الحكم إلى الشريعة الإسلامية عند الحاجة ضرب من المحال, لأن التشريعات الوضعية يراعى فيها - كما يدعي العلمانيون - الشمول والإحاطة, والتناول المفصل لكل ما يمكن أن يعرض من التنازعات في الحياة العملية، ولأن العلمانية ترى أن التشريع الوضعي أحفظ لأمن المجتمع من الشريعة الإسلامية، بل يرى العلمانيون في الكثير من الحدود والتعزيرات والأحكام, وحشية وهمجية وظلم. ولسان مقالهم فضلا عن حالهم يقول: أنهم أعلم بالناس من خالقهم، وأنهم أرحم بالخلق من بارئهم، وأنهم أعرف بمصالح العباد من ربهم. إن العلمانيين لا انفكاك لهم عن هذه اللوازم الفاسدة, والنواقض الصريحة, وغيرها من الموبقات. فإذا كان الله - سبحانه وتعالى - قد أكمل الدين، ونبينا - صلى الله عليه وسلم - بلّغ الرسالة عن ربه, ورسالته عامة تشمل مصالح الدنيا والدين للناس أجمعين، فماذا يعني استدراكهم على الله - سبحانه وتعالى - الذي أحاط بكل شيء رحمة وعلما؟ وماذا يعني استدراكهم على نبينا - صلى الله عليه وسلم -؟ إن ذلك يعني عندهم أن الدين ناقص, وأن الرسالة قاصرة, وأن الأمة عالة على تشريعاتهم المتهافتة الباطلة الجاهلية. قال - سبحانه وتعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [1] فالقسمة هنا ثنائية, والحكم حكمان: إما حكم الله - سبحانه وتعالى - وإما حكم الجاهلية.

فتقرر مما سبق: أن العلمانية لا تستدعي في حقيقة الأمر كبير جهد لبيان تناقضها مع دين الله, وهذا النوع من الضلالات قال عنها علماؤنا قديما: (إن تصوره وحده كاف في الرد عليه) . فجوهر التوحيد إفراد الله - سبحانه وتعالى - بحق الحكم والتشريع, ومقتضى لا إله إلا الله تحكيم

(1) المائدة [50]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت