هم الذين وقع منهم الصد عن سبيل الله والكفر به وبالمسجد الحرام ... وإخراج أهله منه أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، وفتنة الناس عن دينهم، أكبر عند الله من القتل ... ووضح موقف المسلمين في دفع هؤلاء المعتدين على الحرمات والذين يتخذون منها ستارا حين يريدون، وينتهكون قداستها حين يريدون! لقد كانت كلمة حق يراد بها باطل, وكان التلويح بحرمة الشهر الحرام مجرد ستار يحتمون خلفه لتشويه الجماعة المسلمة، وإظهارها بمظهر المعتدي ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم الحريات والمقدسات ويرفعون أصواتهم: انظروا ها هو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام. فكيف يواجههم الإسلام؟ يواجههم بحلول مثالية نظرية طائرة؟ كلا .. إن الإسلام لا يصنع هذا، لأنه يريد مواجهة الواقع لدفعه ورفعه، ومن ثم لا يجعل الحرمات متاريس يقف خلفها المفسدون البغاة الطغاة ليرموا الطيبين الصالحين البناة .. ومع هذا يبقى الإسلام في مستواه الرفيع لا يتدنى إلى مستوى الأشرار البغاة، ولا إلى أسلحتهم الخبيثة ووسائلهم الخسيسة. هذا هو الإسلام صريحا واضحا قويا دامغا، لا يلف ولا يدور، ولا يدع الفرصة كذلك لمن يريد أن يلف من حوله وأن يدور ... وهذا هو القرآن يقف بالمسلمين على أرض صلبة لا تتأرجح فيها أقدامهم، وهم يمضون في سبيل الله، لتطهر الأرض من الشر والفساد. ويمضي السياق بعد بيان هذه الحقيقة فيكشف لهم عن عمق الشر في نفوس أعدائهم، وأصالة العدوان في نيتهم وخطتهم: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} وهذا التقرير الصادق من العليم الخبير يكشف الإصرار الخبيث على الشر وعلى فتنة المسلمين عن دينهم، بوصفها الهدف الثابت المستقر لأعدائهم، وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة في كل أرض وفي كل جيل .. ومن ثم يصدون أهله ليفتنوهم عنه ويردوهم كفارا في صورة من صور الكفر الكثيرة) [1]
(1) في ظلال القرآن [1/ 205]