البناء لجنبوا الدعوة المزالق والتبدد والضياع. ولذلك فإن الليل ليل المسلمين سيطول حتى تنشأ أجيال تتعلم الصراحة والوضوح وكلمة الحق لا تخاف في الله لومة لائم. ولم أر في حياتي كلمة حق واحدة علنية أعقبت فتنة أو عطلت مصلحة؟ ولكنني وجدت أن إخفاء النصيحة والضيق بها يولد قالة السوء في السر ثم يولد الجيوب التي تعمل في الخفاء ثم ينتج الضياع والتمزق. فمن يقدر من قادة المسلمين قيمة الكلمة الطيبة والنصيحة الخالصة العلنية فيقبلوها من قائلها لا يهابون ولا يخافون.
وإذا كان الإسلام قد أعطى كل فرد في الجماعة الإسلامية حق النصح والتقويم والتسديد لقائده وأميره، فإن هذا الحق بل الواجب في ذمة أهل الشورى وهم أهل الحل والعقد أشد وجوبًا ولزومًا لأن هذا جزء من مهمتهم الأساسية التي رشحوا من أجلها.
وغير خاف أن إعطاء الحصانة للنائب عن الأمة في النظام الديمقراطي مفخرة لهذا النظام يجب أن نعترف بها، ويجب أيضًا أن نعترف أن التطبيقات السيئة لنظام الإسلام في الحكم قد حجبت طويلًا كلمة الحق عن الظهور وهذه التطبيقات السيئة ليست حدثًا شاذًا للأسف وإنما مرت عبر عصور طويلة ما زالت إلى يومنا هذا حتى أن كثيرًا من المنتسبين للإسلام لا يفهم من قيام دولة للإسلام إلا القتل والصلب ومنع الرأي المخالف. وهذا خطأ في الفهم.
ونحن إذ نعترف بأن الإسلام قد أعطى الحماية والحصانة لكل فرد في الأمة أن يقول كلمة الحق التي يراها ويظنها حقًا، فإنما نعترف بشيء واقع في الإسلام قدمنا عليه الأدلة والبراهين ولا يوهن هذا الحق سوء التطبيق في عصور التسلط والقهر.
وعلى هذا فأي مجلس شورى في ظل نظام إسلامي صحيح ستكون إحدى مهامه الرئيسية تقويم الحاكم ونصحه وإرشاده، كما كان لها من قبل توليته وعزله وإلغاؤه. ولذلك فالحاكم نائب عن الأمة في تنفيذ حكم الله سبحانه وتعالى التي اختارته وهي التي تملك عزله. وهي التي وكل إليها تقويمه إذا حاد، وتسدده إذا أخطأ.
وليس الحاكم في الإسلام نائبًا عن الله -حاشا وكلا- ولو كان ذلك صحيحًا لكان منصوصًا عليه من الله بأن فلان قد اخترته لكم فاسمعوا وأطيعوا وذلك كما تقول الشيعة بأن الإمام لا بد وأن يكون منصوصًا عليه من الله، ولذلك اعتقدوا في الأئمة النصحة وأنهم لا يقولون خطأ أبدًا، وأما عند أهل السنة قاطبة فالإمام نائب الأمة وهو يصيب ويخطيء الأمة هي التي تملك توليته وهي تملك عزله، ويجب عليها وجوبًا شرعيًا نصحه وتسديده وتقويمه. وفي هذا الإطار عليهم له حق الطاعة ما دام لم يأمر بمعصية ولم ينه عن طاعة.