رضي الله عنه العطاء لمن أعطاهم الرسول تأليفًا لقلوبهم كالأقرع بن حابس وعيينة بن حصين الفزاري محتجًا أن ذلك وقد كان في المسلمين ضعف، وأن الآن فقد أغنى الله المسلمين عنهم. وأعز الإسلام. فإما ثبتوا على الإسلام، وإلا فالسيف حكم.
والعجيب أن الإمام أبو حنيفة أفتى بأن سهم المؤلفة قلوبهم قد انقطع بإعزاز الله للإسلام، واستدل بفعل عمر هذا، ولم يجعل هذه المسألة من مسائل الوقت والظروف، وفي هذا نسخ الآية من القرآن باجتهاد صحابي، وهو أمر مرفوض، والحق الذي لا مراء فيه إن شاء الله وهو ما قرره الإمام الشوكاني وغيره حيث قال:"والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإن كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدر على إدخالهم تحت الطاعة إلا بالقسر والغلب فله أن يتألفهم ولا يكون لفشو الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة".
وهذا ما ارتضاه أيضًا الشيخ رشيد رضا رحمه الله حيث أورد القول السابق وعقب عليه بقوله:"وهذا هو الحق في جملته، وإنما يجيء الاجتهاد في تفصيله من حيث الاستحقاق، ومقدار الذي يعطي الصدقات، ومن الغنائم إن وجدت، وغيرها من أموال المصالح والواجب فيه الأخذ برأي أهل الشورى كما كان يفعل الخلفاء في الأمور الاجتماعية، وفي اشتراط العجز عن إدخال الإمام إياهم تحت طاعته بالغلب نظر فإن هذا لا يطرد بل الأصل فيه ترجيح أخف الضررين، وخير المصلحتين".
وخلاصة الأمر أن النظام المالي في الإسلام خاضع كلية للشورى في الإسلام: أما من حيث الإشراف والمراقبة أو من حيث تقدير الضرورة والحاجة والمصلحة في تشريع مصادر إضافية لجمع المال كالصدقات والضرائب أو من حيث تقدير حاجة كل قسم وهذا ميدان عظيم من ميادين الشورى في الإسلام.
بقي أن أسجل في نهاية هذا الفصل أن أمم الغرب -وهذا من أسباب رقيها الدنيوي وتغلبها علينا- وقد طبقت جوانب هامة من هذا النظام من حيث الأخذ بحكم الإسلام في الركاز وجعل هذا ميدانًا للعمل الحر والشركات الأهلية التي تفرض الدولة عليها ضريبة للدخل تقارب كما قلت ما نص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلك استطاعت هذه الشركات الأهلية أن تنمي مصادر دخلها، وأن تعزز ميزانية دولها، والاستعمار الاقتصادي الذي نعاني منه الآن إنما هو استعمار لشركات أهلية أجنبية وليس لحكومات أجنبية. ولذلك فإني أوصي في هذا المقام أن ترفع الدول الإسلامية يدها عن كل أنواع الركاز، وتطرح هذا للشركات الأهلية الإسلامية وستستطيع أي شركة ناجحة أن تقوم مقام الشركات الأجنبية فالخبرة البشرية تشترى وكذلك المعدات والآلات، والمال نملكه والحمد لله، وستستطيع هذه الشركات الأهلية الإسلامية -إن وجدت- أن تستخرج