واعلم أن ابن عباس رضي الله عنهما قرأ: {وشاورهم في الأمر} ليبين أن الشورى ليست في كل الأمور، وسيأتي لهذا الأمر تفصيل إن شاء الله تعالى في مجالات الشورى.
واعلم أيضًا أن عامة السلف والفقهاء قالوا بأن أمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالشورى كان للوجوب وليس للندب أو الاستحباب، وخالف في ذلك الإمام الشافعي رحمه الله وقاس الأمر هنا على قوله صلى الله عليه وسلم: [البكر تستأذن] أي عند الزواج، قال الشافعي: لو أجبرها أبوها على الزواج جاز!! وقد رد هذا القول الفخر الرازي في تفسيره (5/ 83) بقوله: القياس في مواجهة النص باطل.
واعلم أخي أن المقيس عليه عند الشافعي في هذه المسألة باطل أيضًا لأن الصحيح أنه لا يجوز للأب أن يجبر ابنته على الزواج لأن هذا مخالف لنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الآنف.
ولكن بعض السلف -مع قولهم بالوجوب في حق الرسول صلى الله عليه وسلم- نفوا أن يكون هذا الوجوب عن حاجة عند الرسول للمشاورة، بل قالوا: لقد أغناه الله عن المشورة بما أوحى له وهداه ووفقه ولكن أمره بذلك ليقتدي به من بعده الأئمة والخلفاء، وليكون هذا سياسة دائمة في الأمة إذا رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من هو كان مأمورًا بذلك ومطبقًا له.
ولكن الفخر الرازي نفى هذا القول بقوله:"والتحقيق في القول أنه تعالى أمر أولي الأبصار بالاعتبار فقال: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} وكان عليه السلام سيد أولي الأبصار، ومدح المستنبطين فقال سبحانه: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} وكان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس عقلًا وذكاءً وهذا يدل على أنه كان مأمورًا بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه الوحي، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة" (المرجع السابق) . وخلاصة هذا الكلام أن الشورى لازمة للاجتهاد ولا تقدح في شخص المستشير بل هي دلالة على رجاحة العقل، وأضيف هنا إلى كلام الفخر الرازي رحمه الله أن الشورى تكون أحيانًا في أمور دنيوية صرفة، كالخبرة بشؤون القتال، ومنازل الحرب ومكايد العدو، وأصلح الناس للإمارة، ولا يقول أحد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلم الناس بشؤون الدنيا ولذلك فهو مستغن عن المشورة فيها وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه: [أنتم أعلم بشؤون دنياكم] فليس نقصًا في حق الرسول صلوات الله عليه وسلامه، ولا طعنًا في منزلته أن يكون أمر الله في الآية السالفة الوجوب، وذلك لتتجمع له الخبرة التامة، والعلم الشامل لتصريف شؤون الأمة الإسلامية الناشئة وليكون هذا سنة للخلفاء بعده ليلتزموا هذا المنهج الكريم.
2 -قال تعالى في مدح المؤمنين الذين ادخر لهم الخير: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} (الشورى:38) .