فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 407

(خيال وتنبيه)

فإن قال قائل: إن ما ذكرتموه من جواز دخول المجاز في كلام الله تعالى يؤدّي إلى حصول مطاعن في ذات الله تعالى، وفي صفاته، وفي كلامه، وشيء منها غير جائز في الله تعالى ولا في صفاته ولا يليق بخطابه، فيجب القضاء ببطلانه وفساده، وبيانه من أوجه أربعة:

أولها: هو أن الله تعالى لو خاطب بالمجاز لكان يجوز وصفه بأنه متجوّز مستعير، وهذا غير لائق بالحكمة.

وثانيها: أنه لا فائدة في العدول إلى المجاز مع إمكان الحقيقة، فالعدول إليه يكون عبثا لا حاجة إليه.

وثالثها: هو أن المجاز لا ينبئ عن معناه بنفسه، فورود القرآن به يؤدّي إلى أن لا يعرف مراد الله فيفضي إلى الإلباس وهو منّزه عنه.

ورابعها: أن كلام الله تعالى كله حقّ وصواب، وكلّ حقّ فله حقيقة، وكلّ ما كان حقيقة فلا يدخله المجاز، وهذا هو المطلوب.

«والجواب» أنا قد أوضحنا بالبرهان العقلّى جوازه وأوردنا من الأمثلة في وقوعه في خطاب الله تعالى ما لا مدفع له إلا بالمكابرة والإنكار والمنكارة.

قوله أولا: إنه يؤدّي إلى وصفه بأنه متجوّز مستعير، قلنا: هذا فاسد لأمرين، أما أولا: فلأن إجراء الأوصاف الإلهية موردة بالشرع، فما أذن فيه أطلقناه، وما سكت عنه توقّفنا في حاله، وأما ثانيا: فلعلّ هذه الأوصاف توهم الخطأ مع صحة إجرائها عليه فلا جرم توقفنا في إطلاقها.

وأما قوله ثانيا: إنه لا فائدة في العدول عن الحقيقة، فقد قرّرنا فيما سلف الباعث على التكلم بالمجاز. وذكرنا هناك أغراضا حكمية تبعث عليه.

وأمّا قوله ثالثا: إنّ المجاز يؤدي إلى اللبس، قلنا: إنه لا لبس مع وجود القرينة، والمجازات لا تنفكّ عن القرائن الحالية والمقالية، كما سنذكر من بعد هذا بمعونة الله.

وأما قوله رابعا: إن كلام الله تعالى حق، قلنا إن كلام الله حقّ على معنى أنه صدق لا يجوز فيه كذب، لا من أجل كون ألفاظه مستعملة في موضوعاتها الأصلية، فأين أحدهما من الآخر، وفيه وقع النزاع فبطل ما قالوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت