فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 407

الجهة الثالثة عشرة من المطاعن على القرآن سوء الترتيب والنظم

وهذا كقوله تعالى (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا) كان الأحسن في الترتيب، وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها، ومن حق ما يكون معجزا أن يكون حاصلا على الانتظام العجيب، فوروده على هذه الصفة لا محالة يقدح في إعجازه.

والجواب قد ذكر المفسرون فيها وجوها:

إما على أن التقدير فيها «وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا» فالعطف لمجيء البأس إنما كان على الإرادة، وهي سابقة لا محالة.

وإما على أن التقدير، وكم من قرية أهلكناها فحكمنا بمجيء البأس بعد الإهلاك، لأن الحكم بمجيء البأس لا يكون إلا بعد وقوعه وحصوله.

وإما على أن الإهلاك ومجيء البأس في الحقيقة أمر واحد، وحقيقة واحدة يجوز تقديم أحدهما على الآخر من غير ترتيب بينهما.

وعلى هذا تقول: وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا، وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها، فلا يعقل بينهما ترتيب، لما كانت حقيقتهما واحدة، كما تقول سرت إلى السوق فجئته وجئت السوق فسرت إليه، فالقرآن الكريم لا يخلو عن هذه اللطائف والأسرار الجارية على القوانين الإعرابية، والأسرار الأدبية، بحيث لا يخالفها من تفطن لها منه وأخذها أخذ مثلها مع استيلائه على حقائق هذين العلمين علم المعاني وعلم البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت