(ما يرد من الإطناب على جهة الحقيقة)
وهذا كقولنا: رأيته بعينى، وقبضته بيدى، ووطئته بقدمى وذقته بلسانى إلى غير ذلك من تعليق هذه الأفعال بما ذكرناه من الأدوات وقد يظن الظان أن التعليق بهذه الآلات إنما هو لغو لا حاجة إليه، فإن تلك الأفعال لا تفعل إلا بها، وليس الأمر كما ظن بل هذا إنما يقال في كل شيء يعظم مناله ويعز الوصول إليه، فيؤتى بذكر هذه الأدوات على جهة الإطناب دلالة على نيله، وأن حصوله غير متعذر، وعلى هذا ورد قوله تعالى: (ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ) [سورة الأحزاب: 4] وقوله تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) [سورة النور: 15] لأن هذه الآيات إنما وردت في شأن الإفك وفي جعل الزوجات أمهات، وفي جعل الأدعياء أبناء، فأعظم الله الرد والإنكار في ذلك بقوله: (وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ) على أهل الإفك في الرمي بفاحشة الزنا لمن هي ظاهرة والعفاف والستر وبقوله: (ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ) على من قال لزوجته هي عليه كظهر أمه، أو لمن قال لمملوكه يا بنى فبالغ في الرد بهذه المقالة والنكير.