فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 407

(لا رَيْبَ فِيهِ) أي ليس أهلا لأن يكون مرتابا فيه، وأن يكون محطا للريبة ومحلّا لها، ثم أردفه بقوله تعالى: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) أي إنه هاد لأهل التقوى معطيا لهم حظ الهداية به

(تنبيه)

من حق الجمل إذا ترادفت وتكرر بعضها في إثر بعض فلابد فيها من ربط الواو لتكون متسقة منتظمة، كما أن الجمل إذا وقعت موقع الصلة، أو الصفة، فلا بد لها من ضمير رابط يعود منها إلى صاحبها، فلهذا تقول: زيد قائم، وعمرو منطلق، فلا تجد بدّا من الواو، وكما لا تجد بدّا من الضمير في نحو قولك: هذا الذي قام وخرج، من أجل الربط كما ذكرناه، وهذا الصنيع مستمر، اللهم إلا أن تكون الجملتان بينهما امتزاج معنوي، وتكون الثانية موضحة للأولى مبينة لها كأنهما أفرغا في قالب واحد، فإذا كانت بهذه الصفة فإنها تأتى من غير واو، وهذا كقوله تعالى: (الم(1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ)

فإنه من غير واو لما كان موضحا لقوله تعالى: (ذلِكَ الْكِتابُ)

؛ لأن كل ما كان من القرآن فهو لا ريب فيه ولا شك، ثم قال: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) فإنه موضح لقوله: (لا رَيْبَ فِيهِ)

لأن كل ما كان لا يرتاب في حاله، ولا يقع فيه تردد، ففيه نهاية الهدى، وغاية الصلاح لأهل التقوى وهكذا قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ) [سورة البقرة: 7] جاء بغير واو لما كان واردا على جهة التأكيد لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [سورة البقرة: 6] لأن كل من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر فهو في غاية الجهل والعمى مختوما على قلبه مغشى على بصره وقوله تعالى: (إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [سورة البقرة: 14] لأن قوله: (قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)

أي إنا غير تاركي اليهودية في التكذيب بالرسول صلّى الله عليه وسلّم فيكون قولهم: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) مؤكدا لهذا المعنى بعينه.

(فائدة)

وقد يظن الظان أن تقديم الظرف إنما يكون مقصورا على الاختصاص، وليس الأمر كما ظنه كما حققناه، بل كما يحتمل المشاكلة كما أشرنا إليه فهو يحتمل الاختصاص، فهما محتملان كما ترى، والتحكم بأحدهما لا وجه له، وأما إذا كان واردا في النفي فقد يرد مقدما، وقد يرد مؤخرا، فإذا ورد مؤخرا أفاد النفي مطلقا من غير تفصيل، وهذا كقوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ) [سورة البقرة: 2] فإنه قصد أنه لا يلصق به الريب ولا يخالطه، لأن النفي التصق بالريب نفسه، فلا جرم كان منتفيا من أصله، بخلاف ما لو قدم الظرف فإنه يفيد أنه مخالف لغيره من الكتب فإنه ليس فيه ريب، بل في غيره كما لو قلت: لا عيب في هذا السيف، فإنه نفي العيب عنه على جهة الإطلاق، بخلاف ما لو قلت: هذا السيف لا فيه عيب، ولهذا أخره ههنا وقدمه في قوله تعالى: (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ(47) [سورة الصافات: 47] لأن القصد ههنا تفضيلها على غيرها من خمور الدنيا والمعنى أنه ليس فيها ما في غيرها من الغول، وهو الخمار الذي يصدع الرءوس، أو يريد أنها لا تغتالهم بإذهاب عقولهم كما في خمور الدنيا وَلا يُنْزِفُونَ (19) [سورة الواقعة: 19] أي لا يسكرون، من الإنزاف وهو السكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت