(وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [سورة البقرة: 179] وقوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ)
فتنكير الحياة ههنا أحسن من تعريفها، وإنما وجب ذلك لأمرين؛ أما أولا فلأنه لا يحرص إلّا الحي، وهو لا يستقيم حرصه على أصل الحياة المعهودة، وإنما يتوجه حرصه على الازدياد من الحياة في الأزمنة المستقبلة، وهذا إنما يكون إذا كانت نكرة. لأن المعنى فيها على أنهم أحرص الناس على أن يزدادوا حياة إلى حياتهم، ولو عاشوا ما عاشوا، وأما ثانيا فلأنها إذا كانت نكرة فالتنوين مصاحب لها، وعلى هذا يكون معناها، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة أي حياة لأنها مسوقة للمبالغة، ولكن يكون كذلك إلا بالتقدير الذي ذكرناه، وهكذا قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) لأن الواحد منا إذا علم أنه إذا قتل، قتل، فإنه لا محالة يرتدع عن القتل، فيسلم هو وصاحبه، فتصير حياة كل واحد منهما في المستقبل مستفادة من جهة القصاص، مضمومة إلى الحياة الأصلية، ولا يحصل هذا إلا مع التنكير؛ لأنه يفيد التجدد، والتعريف لا يعطيه، وهكذا قوله تعالى: (فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ) [سورة النحل: 69] وقوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ) [سورة الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات التي يكون فيها التنكير أبلغ من التعريف في تقرير المقاصد المعنوية.