(الوجه الثاني فيما يرد على جهة المجاز في الإطناب)
وهذا كقوله تعالى: (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)
فالفائدة بذكر الصدور ههنا وإن كانت القلوب حاصلة في الصدور على جهة الإطناب بذكر المجاز، وبيانه هو أنه لما علم وتحقق أنّ العمى على جهة الحقيقة إنما يكون في البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يذهب نورها ويزيله، واستعماله في القلوب إنما يكون على جهة التجوز بالتشبيه، فلما أريد ما هو على خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب ونفيه عن الأبصار، لا جرم احتاج الأمر فيه إلى زيادة تصوير وتعريف، ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب، لا الأبصار، ولو قال فإنها لا تعمى الأبصار ولكنها تعمى الأبصار التي في الصدور، لكان مفتقرا إلى ذكر الصدور، كافتقار القلوب، لكن القلوب أدخل في الحاجة، ولهذا وردت الآية عليه لأنه قد يتجوز بلفظة الأبصار في العقول، ولا يتجوز بالقلوب عن العقول، فلأجل هذا كان ذكر قوله في الصدور عقيب القلوب أحسن من ذكرها عقيب الأبصار لما ذكرناه، وهذا من لطائف علم البيان ومحاسنه.