فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 407

فهذه الكلمات على قصرها وتقارب أطرافها قد احتوت على جميع مكارم الأخلاق، ومحامد الشيم، وشريف الخصال، وهذا هو المراد بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أوتيت جوامع الكلم» فالكلم جمع كلمة، والجوامع جمع جامعة، كضاربة وضوارب، والغرض بما قاله هو أنه عليه السلام مكن من الألفاظ المختصرة التي تدل على المعاني الغزيرة، وأنت إذا فكرت في كلامه وجدت جل كلماته جارية هذا المجرى، ولهذا فإن الناظرين في السنة النبوية الدالة على الأحكام الشرعية، والحكم الأدبية لا تزال المعاني المستخرجة منها غضة طرية على تكرر الأعوام وتطاول الأزمان، ومع ذلك فإنهم ما أحاطوا بغايتها ولا بلغوا نهايتها، وهذا كقوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» .

فإن هذه الكلمة مشتملة على معان شرعية، وآداب حكمية تزيد على الحد وتفوت على العبد، وهكذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الخراج بالضّمان»

فإن تحته أسرارا فقهية، وبدائع علمية، تشتمل عليها كتب الفقه، ومن ثم اتسع نطاق الاجتهاد وعظمت فوائده، فحصل من هذا أن الإيجاز من أعظم قواعد البلاغة، ومن مهمات علومها، ومواقعه في القرآن أكثر من أن تحصى.

(فصل)

قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ(199)

قد جمع في هذه الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن في العفو الصفح عمن أساء، والرفق في كل الأمور، والمسامحة والإغضاء، وفي قوله (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) صلة الأرحام، ومنع اللسان عن الكذب والغيبة، وغض الطرف عن كل مّحرم، وغير ذلك، وفي الإعراض عن الجهال، والصبر والحلم، وكظم الغيظ. فهذه الألفاظ وإن قلّت فقد أنافت معانيها على الغاية، ولم تقف على حد ونهاية، وهذا النوع هو أعلى طبقات الفصاحة مكانا، وأعوزها إمكانا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت