توكيد المتصل بالمنفصل ومثاله قوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى(67) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (68)
فهذا التوكيد قد دل على طمأنينة نفس موسى، وعلى الغلبة بالقهر والنصر.
وفي قوله: (إنك أنت الأعلى) نهاية البلاغة، بدليل أمور ستة، أما أولا فإتيان «إن» المشددة في أول الخطاب لتأكيد الأمر وتقدير ثبوته.
وأما ثانيا فتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل مبالغة في تخصيصه بالقهر والغلبة.
وأما ثالثا: فالإتيان بلام التعريف في قوله (الأعلى) ولم يقل أعلى ولا عال؛ لأنها دالة على الاختصاص كأنه قال أنت الأعلى دون غيرك، وفيه تعريض بأمرهم، وتهكم بحالهم، وإبطال لما هم عليه من أمر السحر.
وأما رابعا: فقوله الأعلى، إنما جاء بلفظة أفعل، ولم يقل العالي لأن مجيئها على جهة الزيادة في تلك الخصلة للمبالغة،
وأما خامسا: فتحقيق الغلبة بقوله الأعلى، لأن معناه الأغلب، وعدل إلى لفظ الأعلى لما فيه من الدلالة على الغلبة بالفوقية لا بالمساواة.
وأما سادسا: فلأنه أتى بقوله إنك أنت الأعلى، على جهة الاستئناف، ولم يقل قلنا لا تخف لأنك أنت الأعلى؛ لأنه لم يجعل عدم الخوف سببا لكونه غالبا عليهم، وإنما نفي عنه الخوف بقوله لا تخف، ثم استأنف الكلام بقوله إنك أنت الأعلى، فلا جرم كان أبلغ في شرح صدر موسى وأقر لعينه في القهر والاستيلاء، فينحلّ من مجموع ما ذكرناه إفادة البلاغة من التأكيد كما أشرنا إليه، وهذا من لطيف علم البيان، ومما تكثر فيه النكت والغرائب البديعة.
فأما تأكيد المنفصل بالمتصل فلم يرد في كلام العرب فلا حاجة بنا إلى الكلام عليه.